أحمد الخميسي
يقول الأديب الياباني هاروكي موراكامي : " إن الانسان لا يتخير قدره، لكن القدر هو الذي يتخير الانسان". وقد تخير القدر للمثقف والعالم أبو بكر يوسف أن يقضي معظم سنوات حياته في موسكو ثم أن يوارى الثرى هناك منذ سبع سنوات في 3 مارس2019 داخل مقابر التتار المسلمين. ومع حلول ذكرى رحيله السابعة يجرفني خاطر ملح : لو أنه كان حيا لكلمته الآن عن متاعبي، وهمومي، وعن حبي العميق لأمرأة بعيدة المنال، وكان بصوته المستقيم الذي يشبه الحقيقة سوف يهون علي، ويشد أزري، ثم يسألني : وماذا عن الكتابة؟ هل من جديد؟. قلة في حياتي تعد على أصابع اليد الأصدقاء الذين يشبهون بكر. قدم إلي اللغة العربية نحو ثلاثين عملا من عيون الأدب الروسي، وعاش حياته النظيفة الشريفة عاكفا على عمله مثل الكاتب المصري القديم، بدأب، من دون أن ينتظر كلمة ثناء، أوشكر.
وكان أقرب إلى الانسان الذي يصفه أنطون تشيخوف بقوله : " كل شيء في الانسان يجب أن يكون جميلا، وجهه وملابسه، روحه وأفكاره". لكنه رحل وترك في أرواح من عرفوه باقات زهور تفوح بما كان لنا من صور الصداقة، والشجاعة، والكبرياء، تعرفت إليه عام 1972 حين سافرت إلى موسكو للدراسة ، وربطتنا منذ ذلك الحين صداقة الاهتمامات الأدبية والمواقف السياسية والفكرية بل والحركة من أجل تحقيق أحلامنا. وكنا نتفق ونختلف من دون أن نفرط في أخوتنا التي بدت كأنها دقت في الأرض لا ينتزعها شيء.
قدم أبو بكر للثقافة العربية نحو ثلاثين كتابا منها أعمال أمير الشعراء الروس ألكسندر بوشكين، وروائيين عظام مثل جنكيز أيتماتوف، وأندريه بلاتونوف، وراجع وطابق على الروسية ترجمة سامي الدروبي لأعمال دوستيوفوسكي قبل نشرها في روسيا. وينطبق على اختيارات أبو بكر التي ترجمها قول إزرا باوند عن الترجمة: " لم أكن أترجم، كنت أعيد إنسانا إلي الحياة"! هكذا بعث أبو بكر في لغتنا العربية الكاتب العملاق أنطون تشيخوف في أزهى ترجمة. وخلال حياته في روسيا ظل أبو بكر متمسكا بالكبرياء البدوية التي تربى عليها في الفيوم حيث ولد لعائلة بدوية معروفة، وكان والده عمدة يكتب الشعر، وظل بكر يردد على أسماعنا من حين لآخر الأشعار والأمثال البدوية ويستعيدها حتى النهاية. أنهى الثانوية العامة وكان من الخمسة الأوائل على الجمهورية فأرسلته الدولة في أول بعثة طلابية للدراسة في الاتحاد السوفيتي عام 1958 مع مجموعة قليلة ضمت د. مرسي الطحاوي عالم الفيزياء النووية وآخرين.
وبعد أن حصل أبو بكر على دبلوم كلية الأدب واللغة الروسية عاد إلي مصر مع زوجته وعمل بالتدريس في معهد الألسن ما بين 1964، و1966، ثم رجع إلي الاتحاد السوفيتي ليواصل دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه من جامعة موسكو، ثم استقر هناك إلى أن حسم القدر القصة فتوفاه الله في 3 مارس، وإن ظلت صورته حية متألقة بالقصص الصغيرة الكثيرة، والخبز والملح ، والضحكات والسخرية والمعارك الفكرية، وظلت المحبة التي نكنها لبكر، أنا وحسام حبشي ومرسي الطحاوي وماهر سلامة وكل من عرفه. تصحبك محبتنا التي لا تخبو ولا تنطفي، ونظل نحيا معا على ما كان لنا من ضفيرة الوهم الجميل والحقيقة المؤلمة، ومضة الوجود العابر. في ذكراك أقول لك أنت معنا. معنا، حتى لو كنت بعيدا زهرة من الصقيع.
***
نقلا عن الدستور





