بقلم الأب يسطس الأورشليمى

      جاء مُخلّصنا ليجتاز بنا بحار العالم ويصل إلى شاطيء النجاة.. 
جاء المُخلّص ليجتاز كُل الطرق والأماكن ليطهرها من إبليس..

جاء ليجتاز كُل الحواجز التي صنعها إبليس وجنوده، ليفرق بين البشر ويضع العداوة بين الشعوب، ليقربنا إليه ويحارب عنا..

جاء ليجتاز داخل القلوب الصماء الحجرية، وأمام العيون العمياء والأفكار الصعبة، لذلك جلس على البئر ليس لأنه متعب، وإنما الذي أتعبه هُو تلك الطرق الملتوية التي اجتاحت الإنسانية، وشقت صفوفها ونجحت في أسر النفوس لحساب إبليس ونفوذه، ولنجتاز معه عابرين، وينصحنا بُولس الرسُول قائلاً: أخيراً يا أخوتي، تقووا في الرّب وفي شدة قوته، البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضدّ مكايد إبليس، فإن مُصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ، بل مع الرؤساء مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظُلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحية في السماويات، من أجل ذلك احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تُقاوموا في اليوم الشرّير، وبعد أن تُتمّموا كُل شيءٍ أن تثبتوا، فاثبتوا مُمنطقين أحقاءكم بالحقّ، ولابسين درع البرّ، وحاذين أرجُلكُم باستعداد إنجيل السلام، حاملين فوق الكُل تُرس الإيمان الذي به تقدرون أن تُطفئوا جميع سهام الشرّير المُلتهبة، وخُذوا خوذة الخلاص، وسيف الروح الذي هُو كلمة الله مُصلّين بكُل صلاةٍ وطلبةٍ كُل وقت في الروح، وساهرين لهذا بعينه بكُل مواظبةٍ وطلبةٍ، لأجل جميع القديسين (أف10:6-18).. 

نعم، فاجتيازك عناية ورعاية وحماية لنا في غربتنا..
قالت المرأة: يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش.. 
أنه انحياز النعمة إلى كُل مُحتاج للنعمة لتعمل فيه وبه ومعه..
أنه انحياز القوي للضعيف، والعاطي للمحتاج، والقادر للغير قادر..

جلس الرّب على البئر منتظراً هذه المرأة التي لم تجد في المجتمع التي تعيش سوى أولئك الوحوش الذين تعروا من إنسانيتهم، وهرولوا إلى طريق السقوط والشهوة، فتقربوا لها من منطلق إشباع رغباتهُم، وليس حباً فيها وانزلقوا مُنحازين تحت مسمى بعيداً عن الإنسانية..

جاء المُخلّص منحازاً إلى الخطاة المُحتاجين إلى التوبة والخلاص، مسطراً وصيته على لسان الرسُول قائلاً: اخضعوا لله، قاوموا إبليس فيهرُب منكُم، اقتربوا إلى الله فيقترب إليكُم .. اتضعوا قدام الرّب فيرفعكُم..

راجع الكتاب المُقدس (يع7:4-10)..

فشكراً لمَن انحاز إلى طبيعتنا وسعى لأجل خلاصنا وأبديتنا..

قال لها يسُوع: حسناً قلت .. هذا قلت بالصدق..

قدُوس أنت يارّب لأنك تنظر بعين القداسة والرأفة لكُل الخليقة، وتسعى طالباً الخرُوف الضال، ففي تذكار هذه السامرية نرى:

أنك لم تبال بأن اليهُود لا يعاملون السامريين (يو9:4)..
مشيت مسافات طويلة حتى تعبت من السفر (يو6:4)..

لكي تُحرّرها من الخطية وتنقذها من اليأس، أثرت أن تبحث عن نقطة بيضاء لكي تسمعها كلمة معزية تعوضها عن نظرات المجتمع لها، فامتدحت صدقها وقبلت اعترافها، حقاً يارّب تشرق شمسك على الأشرار والصالحين (مت45:5)، فامنحنا نحنُ أيضاً أن نتجاوز عن سيئات الآخرين ناظرين بالعين البسيطة المُنيرة لكُل من حولنا..

أنه أعلى امتياز وشرف أعطاه الرّب لأهل السامرة، فلم يضعوه على صدورهُم فحسب، وإنما على جبينهُم وفي قلوبهُم، ففازوا بحضور الرّب معهُم إلى مدينتهُم، ومكث عندهم يومين، فأعلنوا من السامرة التي كانت معقل للتعصب والكراهية لليهُود أن المسيح يسُوع الناصري هُو بالحقيقة مُخلّص العالم، فذاب الحب بين أهل السامرة، ودخلوا إلى حظيرة المسيح ليس سعياً وراء الشهوة أو العالم، إنما حباً في مَن أتى وعلّمهُم الحب، وباتوا فخورين مرتلين: أحمدوا الرّب، ادعوا باسمه، عرفوا بين الأمم بأعماله، غنوا له رنموا له أنشدوا بكُل عجائبه، افتخروا باسمه القدُوس، لتفرح قلوب الذين يلتمسُون الرّب، اطلبوا الرّب وقدرته، التمسوا وجهه دائماً، اذكروا عجائبه التي صنع آياته وأحكام فيه، يا ذرية إبراهيم عبده يا بني يعقوب مُختاريه، هُو الرّب إلهنا في كُل الأرض أحكامه (مز1:105-7)..

فنعم الاجتياز الذي صنعه الرّب من أجل النفُوس المُحتاجة إلى لقائه، والانحياز من أجل كُل مَن ليس له مَن ينتشله من غرق الخطية، والامتياز الذي يُعطيه لكُل عابر إليه، ومُؤمن به مفتخراً بالبنوة السمائية..

كيف يكون السيد المسيح ابناً لداود وأباً له؟!

المسيح هُو رّب لداود على الدوام، وابناً له حسب الزمن..

هُو رّب لداود لأنه مولود من الآب، وابن لداود لأنه مولود من العذراء مريم الذي حبل به من الرُوح القدُس، فلنتمسك بكلتيهما، فلو لم يهبنا رّبنا يسُوع المسيح أن يصير إنساناً لهلك الإنسان..

الذي يُؤمن بالحفظ الإلهي لا يخاف أبداً، ولا يضطرب ولا يقلق شاعراً أن حماية الله ستنقذه من كُل ضيق ومن كُل الأعداء مهما كانت قوتهن، بل يقول مع داود النبيّ: أحاطوا بيّ مثل النحل حول الشهد، والتهبوا كنار في شوك، دُفعت لأسقط، والرّب عضدني (مز45)..

الله ينتظر رجوعنا وتوبتنا، ولا يحتمل دموعنا وانسحاقنا..

من ثمار التغيير: (1) الإيمان الحيّ..

الإيمان هُو تصديق الله، والثقة أنه موجود وفاعل وقادر على كُل شيء، لذلك فالمُؤمن يُضيف إلى قوته المحدودة قوة الله غير المحدودة، لهذا يهتف قائلاً: يعظم انتصارنا بالذي أحبنا، ليقل الضعيف بطل أنا، أستطيع كُل شيء في المسيح الذي يقويني، حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي.. 

راجع (يؤ10:3؛ رو37:8؛ 2كو10:12؛ في13:4)..

والإيمان له جوانبه الأربعة وهُو:
(1) الإيمان النظري، أي معرفة مَن هُو المسيح؟

إنه الأقنوم الثاني في الله الواحد، تجسد وصُلب وقام لأجلي، صعد إلى السماء كسابق لنا، وأرسل الرُوح القدُس، أسس الكنيسة المقدسة، ووضع فيها أسرار الخلاص، وسيأتي ليأخذنا إلى مجده..

(2) الإيمان الوجداني، تكوين عشرة محّبة وعلاقة شخصية مع المسيح، تتضح في أني في كُل حين أكلمه في الصلاة، وأسمعه في الإنجيل، وأقتنيه في سرّ التناول، ومن خلال ذلك أدخل إلى علاقة محبة وجدانية مع الرّب وأناديه: أحبك يارّب، يا قوتي (مز18)..

(3) الإيمان السلوكي، إذ يوصينا الرسُول: عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح، وإن أحبني أحدٌ يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً، نحنُ نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة، لأننا نُحب الإخوة، مَن لا يُحب أخاه يبق في الموت .. كُل مَن يبغض أخاه فهُو قاتل نفس.. 

راجع (يو23:14؛ في27:1؛ 1يو14:3-18)..

(4) الإيمان الاتحادي، وذلك حينما أتحد بالرّب، إذ يثبت فيّ وأنا فيه، كما قال لنا: مَن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه، ونحنُ نأخذ عربون اتحادنا بالمسيح في التناول هُنا، أما في أورشليم السمائية، فيصير اتحادنا بالرّب أقوى وأقوى، حقاً سيظل الله هُو الله، والإنسان هُو الإنسان، المسيح هُو ابن الله بالحقيقة والطبيعة أما نحنُ فأبناء الله بالتبني، والمسيح يفتدي الذين تحت النامُوس لننال التبني (غلا5:4)، والابن طبعاً يرث الحياة الأبدية، ويحيا الملكوت السماوي الخالد..