القمص يوحنا نصيف
في مثل هذا اليوم أيضًا من سنة 2012م، نعيّد بتذكار نياحة البابا شنودة الثالث، البطريرك المئة والسابع عشر من سلسلة بابوات الكرازة المرقسيّة.
وُلِدَ في 3 أغسطس من عام 1923م بقريّة سَلاّم بمحافظة أسيوط، وكان متفوِّقًا في دراسته، وتخرّج من قسم التاريخ بكلّيّة الآداب، ثمّ أتمّ دراسته بالكليّة الإكليريّكية وعُيِّن مُدرِّسًا بها. التحق بدير السريان وصار راهِبًا في 18 يوليو عام 1954م باسم الراهب أنطونيوس السرياني.
في سبتمبر عام 1962م اختاره القدّيس البابا كيرلّس السادس ليكون أسقفًا للمعاهِد الدينيّة والتربية الكنسيّة والكليّة الإكليريكيّة باسم الأنبا شنودة، وبعد نياحة البابا كيرلّس السادس وقعَت عليه القرعة الهيكليّة ليكون بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، وتمّ تجليسه على كرسي مار مرقس بالكاتدرائيّة المرقسيّة الكبرى بالقاهرة في 14 نوفمبر عام 1971م.
اشتُهِرَ البابا شنودة بالوعظ والتعليم، وكان لديه موهبة جميلة في توصيل الرسالة إلى سامعيه بطريقة جذّابة. كما اعتنى بسيامة كهنة وأساقفة على مستوى عالٍ من التعليم، لتقوية العمل الرعوي في الكنيسة، مع الاهتمام ببناء كنائس جديدة، وتعمير الأديرة وإنشاء أديرة جديدة في كلّ أنحاء مصر، وخارجها أيضًا، فتضاعف عدد الأساقفة والكهنة والكنائس والأديرة عِدّة مرّات. حتّى أنّه في عهده، وبمتابعة شخصيّة منه، نَمَتْ الكرازة المرقسيّة وانتشرت، وصار لها كنائس وإيبارشيّات في كلّ قارّات العالم السِّت، وصارت عضوًا فاعِلاً في المجالس الكنسيّة الدوليّة، مثل مجلس الكنائس العالمي، ومجلس كنائس الشرق الأوسط ومجلس كنائس أفريقيا. كما انتشرت الكرازة في أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة وباقي أنحاء العالم.
تَعَرّض البابا شنودة في سبتمبر عام 1981م إلى قرارات تعسفيّة من الرئيس المصري أنور السادات تقضي بعزله من منصبه وتحديد إقامته بدير الأنبا بيشوي، وصاحَبَ هذا القرار سجن مجموعة من الأساقفة والكهنة والخُدّام، ولكن الله أبطَل مشورة الأشرار، ومات السادات بعدها بحوالي شهر مقتولاً من الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة التي كان قد أطلق العنان لأنشطتها، وتمّ الإفراج تدريجيًّا عن المسجونين، بينما صبر البابا شنودة حتّى بداية يناير من عام 1985م، عندما عاد مرّة أخرى إلى مقرّ كرسيه بالقاهرة مُعَزَّزًا مكرًّمًا.
كان البابا شنودة يتمتّع بقلب غيور وشخصيّة دائبة النشاط، يهتمّ كثيرًا بخدمة مدارس الأحد، ويُسجِّل أنشطة الكنيسة في مجلّة "الكرازة" التي أسّسها وكان يُصدِرها بانتظام لعشرات السنوات. وكان لا يكلّ من الزيارات والاجتماعات والمتابعة الدقيقة لكلّ الأمور، حتّى أنّه زار معظم إيبارشيّات مصر وكلّ قارات العالم مرّاتٍ عديدة، لتأسيس وتدشين الكنائس والصلاة فيها، ومتابعة العمل الرعوي في كلّ مكان. كما اهتمّ ببناء العلاقات الطيّبة مع جميع المسؤولين ورؤساء الكنائس المسيحيّة في جميع أنحاء العالم.
أَولَى البابا شنودة عناية خاصّة بالفقراء، من خلال لجان منظّمة بالقاهرة والإسكندريّة، كان يعطيها الكثير من وقته أسبوعيًّا، ويوزِّع فيها بسخاء على المحتاجين والأسر التي تتعرّض لظروف ضاغِطة. وكان كريمًا في العطاء بوجه عام بِحسٍّ أبويّ في كلّ الاتجاهات.
تميّز البابا شنودة بعفّة الألفاظ وانتقاء الكلمات في أحاديثه، التي كانت آيات الإنجيل تفيض منها بعذوبة؛ كما كان له أسلوبه المميّز في الكتابة مع الخطّ الجميل. تنوّعَت كتاباته الغزيرة بين التأمُّل في شخصيّات الكتاب المقدّس، وفي الإرشاد الروحي والرعوي، مع شرح الإيمان الأرثوذكسي. وجديرٌ بالذِّكر أنّه كان أيضًا يقرض الشعر العربي، ويحفظ الكثير من الأشعار، وله العديد من القصائد الشعريّة النسكيّة والتأمّليّة.
ومن أقواله:
+ مصير الجسد أنّه سينتهي، فيا ليته ينتهي من أجل عملٍ صالح.
+ كنيسة بلا شباب هي كنيسة بلا مستقبل.
+ الكنيسة هي الوسَط الذي يساعد على التوبة.
+ إنّ روح الله عندما يعمل في قلب إنسان، يُلهِبه بالحُبّ، ويُلهِبه بالحماس نحو الخير، ويُلهِبه بالغيرة المقدّسة على نشر ملكوت الله.
+ إنْ كنتَ لا تستطيع أن تَحمِل عن الناس متاعبهم، فعلى الأقل لا تكُن سببًا في إتعابهم.
+ في كلّ أعمال الإنسان، لا يَكفي أن يكون الهدف مقدّسًا، وإنّما يجب أيضًا أن تكون الوسيلة سليمة.
+ ليست البساطة هي السذاجة. البساطة هي عدم التعقيد، وليست عدم التفكير. والكتاب يعلّمنا البساطة الحكيمة، والحكمة البسيطة.
عانى البابا شنودة من بعض الأمراض الجسديّة في شيخوخته، لكنّه ظلّ مواظبًا على الوعظ والتعليم ومتابعة أمور الكنيسة بكلّ أمانةٍ وعقلٍ راجِح، حتّى النفس الأخير. وقبل غروب الشمس يوم السبت 8 برمهات، الموافق 17 مارس 2012م، انطلقت روحه للأخدار السمائيّة، بعد أن جلس على كرسي مار مرقس الإنجيلي أربعين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيّام، بركة صلاته تكون معنا. ولربّنا المجد الدائم إلى الأبد. آمين.
القمص يوحنا نصيف
* الصورة التقطها بنفسي أثناء تصوير فيلم "همسة حبّ"، في المقرّ البابوي بدير الأنبا بيشوي - أكتوبر 1997م.





