(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

المرحلةُ السابعة: يسوعُ يقع تحت الصليب للمرّة الثانية
 
«لقَد حَمَلَ هو آلامَنا واحتَمَلَ أَوجاعَنا، فحَسِبْناه مُصابًا مَضْروبًا مِنَ اللهِ ومُذَلَّلًا.
 
طُعِنَ بِسَبَبِ مَعاصينا وسُحِقَ بِسَبَبِ آثامِنا، نَزَلَ بِه العِقابُ مِن أَجلِ سَلامِنا، وبجُرحِه شُفينا.
 
كُلُّنا ضَلَلْنا كالغَنَم، كُلُّ واحِدٍ مالَ إِلى طَريقِه، فأَلقى الرَّبُّ علَيه إِثمَ كُلِّنا.
 
عُومِلَ بِقَسوَةٍ فتَواضَع، ولم يَفتَحْ فاهُ، كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ، كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها، ولم يَفتَحْ فاهُ» (أَشَعْيا 53: 4-7).
 
إنّها المرّةُ الثانية التي يسقط فيها يسوعُ الناصريّ! يا ترى، لماذا أرادت تقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب أن يسقط مرّةً أُخرى؟ لقد أشارت سقطةُ يسوع الأُولى إلى بشريّته (ناسوته أو إنسانيّته) التامّة، وخاصّة إلى قوّة إرادته وطاقته البشريّتين.
 
وأمَّا هذه السقطة الثانية والقيام منها، تعلن أمرًا آخر مهمًّا بالنسبة للناصريّ ولنا، ألا وهو "قوّة الأمانة والمثابرة"، أو بتعبيرٍ أدّق إلى أمانة إرادته ومثابرتها واستمراريّتها، للبلوغ إلى الهدف الأسمى المنشود.
 
إنَّ حياتنا البشريّة لا تقتصر على سقطةٍ واحدةٍ فحسب، وإنّما تشمل سقطاتٍ عدّة؛ وقد يؤدّي بنا هذا إلى الإحباط واليأس والقُنُوط والاستسلام وانعدام الرجاء. وكثيرًا ما نجد أنفسنا عاجزين وبلا قوّة، وأنّ قوّة الإرادة وحدها غير كافية، وأنّنا لا نريد أو بالأحرى لا نقوى على الجهاد الروحيّ.
 
فكيف لنا الانتقال من يأسنا وقُنُوطنا إلى الرجاء؟ أجل، ففي هذه الحالة، ثمَّة حاجةٌ إلى قوّة الأمانة والمثابرة والاستمراريّة.
 
وعلى نحوٍ آخر، لم يَعد لدى بَشْر اليوم، ولا سيّما الشباب والشبات، صبرٌ وتأنّي ومثابرة؛ فبَات الجميعُ يبحث عن نجاحات سهلة وسريعة، وانتصارات غير أمينة وغير شريفة. أجل، فنحن في زمنٍ قد فُقِدَ فيه الصبرُ والتأنّي والمثابرة والأمل والرجاء، والجميع يريد كلَّ شيءٍ دَفعةً واحدة.
 
فما العمل إزاء هذا الوضع؟
لقد قام يسوعُ المسيح من سقطته الثانية أيضًا، انطلاقًا من أمانة إرادته ومثابرتها واستمراريّتها؛ وهكذا قد انتصر لنا على اليأس والقُنُوط بجميع أنواعهما وأنماطهما.
 
أجل، لقد سَقَطَ هو على الأرض حرفيًّا، حتّى لا نيأس نحن من جرّاء سقطاتنا المتكرّرة مجازيًّا؛ وقام هو من سقطته الثانية، حتّى نقوم معه وبه من سقطاتنا أيضًا، ويصير نموذجًا يُحتذَى به من قِبل الساقطين أجمعين، ولا سيّما اليائسين من سقطاتهم المتعدّدة والمتكرّرة.
 
إنّها مفارقةٌ عجيبة، إذ إنّ سقطة يسوع الناصريّ تنقلنا من حالة اليأس والقُنُوط، إلى موقف الرجاء، ومن اليأس من حالنا وأخطائنا وخطايانا إلى الرجاء في رحمة الله ونعمته.