د.ماجد عزت إسرائيل
ليس الصليب في حياتنا مجرد رمز نعلّقه أو طقس نمارسه، بل هو مسيرة يومية تبدأ منذ الميلاد ولا تنتهي إلا بالعبور إلى الأبدية.
فالمسيحي لا يعيش بعيدًا عن الصليب، بل يحمله في كل لحظة: في ضعفه، في جهاده، في صبره، وفي انتصاره على ذاته.
وهنا يرنّ في القلب قول الرب: «مَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا» (لو 14: 27).
فالصليب هو مدرسة الحب الحقيقي، حيث نتعلّم أن نبذل دون انتظار مقابل، وأن نحتمل دون تذمّر، وأن نغفر رغم الألم. هو ليس علامة حزن، بل سرّ قوة، لأن من خلاله يتحول الألم إلى رجاء، والضيق إلى تعزية، والخسارة إلى مكسب روحي عظيم.
وفي حياتنا اليومية، نحمل الصليب حين نصبر على التجارب، حين نقاوم الخطية، حين نحتمل الآخرين بمحبة، وحين نختار الطريق الأصعب لأنه طريق الحق. فالصليب ليس حدثًا عابرًا، بل قرار مستمر أن نحيا بحسب مشيئة الله. ولذلك يقول الرسول: «إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ فَلِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ» (رو 8: 17).
ومنذ طفولتنا، يُرشم الصليب على جباهنا، ونبدأ به صلواتنا، ونختم به أيامنا، وحتى في وداعنا الأخير، يُحمل الصليب أمامنا في رحلتنا إلى القبر، وكأنه يعلن أن حياتنا كلها كانت – وستظل – في حضرة هذا السر العظيم.
وليس عجيبًا أن يكون الصليب مصدر إلهام لا ينضب، فقد كُتبت فيه الأشعار، وترنّمت به الكنيسة، وأبدع الفنانون في رسمه، لأنه ليس مجرد شكل، بل قصة خلاص، وقوة حياة، ومجد لا يُقاس.
فإن الصليب في نظر العالم قد يبدو ضعفًا، أما في نظر المؤمن فهو قوة الله، به ننتصر، وبه نحيا، وبه نبلغ المجد. وكما قال الرسول: «أَمَّا مِنْ جِهَتِي فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (غل 6: 14).
فكما كان الصليب طريق المسيح إلى القيامة، هكذا يكون في حياتنا طريقًا أكيدًا نحو الفرح الأبدي. فطوبى لمن يحمل صليبه بفرح، لأن وراء كل صليب… قيامة ومجد.





