الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يعاني يسوع الخيانةَ والغدر والهجران، لا من تلاميذه فحسب، بل في اختبارٍ يبدو أقسى: اختبار الصمت الإلهيّ. ففي هذه اللحظة لا نسمعه يقول "يا أبتِ" ولكنّه يصرخ: «إلهي، إلهي، لماذا تركتَني؟». فهل تخلّى يسوع عن مناداة اللهَ بوصفه أبًا؟ أم أنّه، في عمق هذه الصرخة، يدخل إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه الإنسان من اختبار الألم والبعد، من دون أن ينفصل حقًّا عن الآب؟

يقول علماء الكتاب المقدّس إنّ هذه الكلمات اقتباسٌ من المزمور الثاني والعشرين، حيث يبدأ الألم بالصرخة، لكنّه ينتهي بالثقة. يسوع إذًا في صرخته لا يترك الآب بقدر ما يعبّر، بلغة المزامير، عن اختبار الإنسان حين يشعر أنّ الله بعيدٌ، مع أنّه حاضر في العمق.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤالٌ آخر: هل عاد المُجرِّب الذي واجهه يسوع في الصحراء ليواجهه  عند الجلجثة؟ قد لا يذكر النصّ ذلك صراحة، لكنّ المشهد كلّه يحمل طابع التجربة القصوى: سخرية وشكّ وتحدٍّ—«إن كنتَ ابن الله…». وكأنّ التجربة الأولى تجد ذروتها هنا. ويبدو أنّ الشيطان يعرف كيف يختار مسارح المواجهة: الصحراء أوّلًا… ثمّ الجلجثة. وهل من صحراء أقحلُ من صحراء الصليب؟

ومع ذلك، ففي هذه الصحراء الأخيرة، لا يسقط يسوع. وحيث يبدو كلّ شيء ظلامًا، يبدأ فجر القيامة في الخفية.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ