المرحلةُ الثامنة: يسوعُ يُعزّي بنات-نِساء أورشليم
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
«وتَبِعَه جَمعٌ كثيرٌ مِنَ الشَّعب، ومِن نِساءٍ كُنَّ يَضرِبنَ الصُّدورَ ويَنُحنَ علَيه. فالتَفَتَ يَسوعُ إِليهِنَّ فقال: "يا بَناتِ أُورَشَليمَ، لا تَبكِينَ عَليَّ، بلِ ابكِينَ على أَنفُسِكُنَّ وعلى أَولادِكُنَّ. فها هي ذي أَيَّامٌ تَأتي يقولُ النَّاسُ فيها: طوبى للعواقِرِ والبُطونِ الَّتي لم تَلِدْ، والثُّدِيِّ الَّتي لم تُرضِعْ. وعِندَئِذٍ يأخُذُ النَّاسُ يَقولونَ لِلجِبال: أُسقُطي علَينا، ولِلتِّلالِ: غَطِّينا. فإِذا كانَ يُفعَلُ ذٰلك بِالشَّجَرَةِ الخَضْراء، فأَيًّا يَكونُ مَصيرُ الشَّجَرَةِ اليابِسة؟"» (لوقا 23: 27-31).
إنَّ مرحلة أو محطة دَرْب الصليب هذه، لها جذورٌ كتابيّة؛ فهي واردةٌ في بشارة القدّيس لوقا، وفي هذا الموضع فقط. وهي بدورها مقابلةٌ جديدة ليسوع الناصريّ مع طرفٍ آخر، وهذة المرّة مع بنات-نِساء أورشليم؛ فدَرْبُ صليبه هو دَرْبُ مقابلات ولقاءات مع أشخاصٍ متنوّعة، من الرجال والنساء. وبالطبع، يمكن التأمّل في هذا المشهد من منظور "تعزية" يسوع لبنات-نِساء أورشليم، ومن خلالهنَّ نساء العالم بأسره. ولكن، ربَّما الأمر المهمّ هنا، بالنسبة لجميع الرجال والنساء، ليس "تعزية" يسوع للنساء ولنا فحسب، وإنّما "نُبُوّته" لنا وللبشريّة جمعاء. وبكلماتٍ أُخرى، تُظهِر هذه المرحلة أو المحطة من دَرْب الصليب، البُعد "النبويّ" من شخصيّة يسوع الناصريّ، إذ إنّه "النَّبيّ" –وإن كان أكثر من نَبيٍّ– الذي يقرأ واقعه وواقعنا في ضوء إرادة الله وكلمته.
لقد أدرك يسوعُ المسيح أنّه مع كونه "بَريئًا" و"صالحًا" و"محِبًّا" و"شجَرَةً خَضْراء"، قد فعلوا به هذا كلّه؛ فماذا عنَّا نحن، "الشَّجَرَة اليابِسة"؟! وبهذا المعنَى، علينا أن نبكي على أنفسنا وأولادنا وأحوالنا من جرّاء ما يحدث لنا وحولنا. أجل، قبل أن نسعى لنوال "تعزية" الربّ يسوع، علينا أن نتقبّل نُبُوّته، ونطرح تساؤلاتٍ صادقة وجادّة إزاء واقعنا الحالي وأيامنا المعاصرة. وبناءً عليه، ينبغي لنا أن ننشغل بحياتنا وعائلاتنا وكنائسنا ورجال إكليروسنا وشعوبنا وأوطاننا، ونبكي لما يحدث لهم وفيهم ومنهم.
انطلاقًا ممَّا سَبَقَ، ماذا لو سألنا السّيّدُ المسيح عن أحوالنا، وأحوال عائلاتنا وكنائسنا ورجال إكليروسنا وشعوبنا وأوطاننا؟! فماذا سيكون جوابنا الصادق والواقعيّ على سؤاله؟ وهل حقًّا حالنا بات أفضل من حاله؟ وماذا فعلنا بأنفسنا وعائلاتنا وكنائسنا ورجال إكليروسنا وشعوبنا وأوطاننا؟ وماذا فعلوا هم بنا؟ وكيف ومتّى أصبحنا ما نحن عليه الآن؟
إنّها لدعوةٌ ملحّة إلى مراجعة الذات والتوبة والاهتداء وإعادة حسباتنا، ليس فيما يتعلّق بنا وبأحوالنا فحسب، وإنّما فيما يتعلّق بعائلاتنا وكنائسنا ورجال إكليروسنا وشعوبنا وأوطاننا.
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)





