بقلم/ هاني صبري – المحامي
استشهد بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بمقولة منسوبة إلى ويل ديورانت، مفادها (أن التاريخ يثبت – للأسف – أن يسوع المسيح لا يملك أفضلية على جنكيز خان، وأن الشر قد ينتصر إذا امتلك أدوات القوة الكافية).
 
وهذه المقولة، بصرف النظر عن نية قائلها، تكشف عن خلل عميق في فهم ثلاثة أمور جوهرية: طبيعة المسيح، ومعنى القوة، ومفهوم الانتصار. وفيما يلي تفنيدٌ لهذا الطرح  من منظور كتابي.
 
أولًا: الخلط بين “الظهور التاريخي” و“الإعلان الإلهي”:
تفترض المقولة أن ما يظهر في مسار التاريخ هو المعيار النهائي للحكم على الحقيقة. غير أن الكتاب المقدس يفرّق بوضوح بين ما يبدو في الزمن، وما يتحقق في قصد الله الأزلي.
فالشر قد يبدو غالبًا في لحظات معينة، لكنه ليس صاحب السيادة الحقيقية:
“هذه ساعتكم وسلطان الظلمة” (لوقا 22: 53)
 
إنها “ساعة” محدودة، لا “سيادة” مطلقة.
بل إن الحدث الذي يبدو ذروة انتصار الشر – أي صلب المسيح – يعلنه الكتاب جزءًا من خطة إلهية محكمة:
“هذا أخذتموه مسلّمًا بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق” (أعمال الرسل 2: 23)
وبالتالي، فالتاريخ لا يحاكم المسيح، بل المسيح هو الذي يكشف معنى التاريخ. ومن ثم، فإن إخضاع عمله لمعايير “النجاح الزمني” هو اختزال قاصر لحقيقة تتجاوز الزمن ذاته.
 
ثانيًا: إعادة تعريف القوة في الإعلان الكتابي.
تعتمد المقولة على تعريف مادي للقوة بوصفها قدرة على الإخضاع والقهر. لكن الكتاب المقدس لا يرفض هذا التعريف فحسب، بل يقدّم نقيضه:
“لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير” (رومية 12: 21)
 
هذا ليس طرحًا مثاليًا، بل إعلان لطبيعة القوة الإلهية، التي تنتصر دون أن تتشبه بالشر.
 
بل إن ذروة هذه القوة تتجلى في ما يبدو ضعفًا:
“تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل” (2 كورنثوس 12: 9)
 
القوة التي تحتاج إلى العنف لتثبت ذاتها هي قوة ناقصة،
 
أما القوة التي تغيّر القلب وتحرّر الإنسان من الداخل فهي قوة إلهية كاملة.
 
ومن ثم ، فالمقارنة بين نموذجين – أحدهما يقوم على القهر، والآخر على الفداء – ليست مقارنة بين درجتين من القوة، بل بين مفهومين متباينين جذريًا.
 
ثالثًا: بطلان المقارنة لاختلاف الطبيعة لا الدرجة.
الإشكال الأعمق ليس في نتيجة المقارنة، بل في أصلها. إذ تُدرج المقولة السيد المسيح ضمن فئة “القادة التاريخيين”، بينما يعلن الكتاب أنه خارج هذا التصنيف:
 
“كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يوحنا 1: 3)
 
“الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل” (كولوسي 1: 17)
 
فالمسيح ليس فاعلًا داخل التاريخ فحسب، بل هو خالق التاريخ نفسه.
 
وبالتالي، فإن مقارنته بأي شخصية بشرية – مهما عظمت – ليست غير دقيقة فقط، بل باطلة من حيث الأساس.
 
رابعًا: الانتصار في المسيحية — من الظاهر إلى الجوهر.
تقوم المقولة على افتراض أن الغلبة تُقاس بالنتائج الظاهرة. لكن الكتاب المقدس ينقل مفهوم الانتصار من السطح إلى العمق، ومن الزمن إلى الأبدية.
“ثقوا، أنا قد غلبت العالم” (يوحنا 16: 33)
 
هذا الإعلان قيل قبل الصليب، أي قبل الحدث الذي يبدو – ظاهريًا – هزيمة.
 
ما يعني أن الغلبة هنا ليست حدثًا زمنيًا، بل حقيقة لاهوتية.
 
ويبلغ هذا الإعلان ذروته في القيامة: “أين شوكتك يا موت؟… شكراً لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح” (1 كورنثوس 15: 55–57)
إذًا، الانتصار في المسيحية ليس تفوقًا مرحليًا، بل غلبة نهائية على أعمق عدوين: الخطية والموت.
 
خامسًا: بين الإخضاع القسري والتحول الداخلي.
التاريخ البشري حافل بنماذج فرضت سيطرتها بالقوة، ومنها تجربة جنكيز خان، حيث تحقق النفوذ عبر الإكراه والقتل والتدمير .
 
أما المسيح، فيقدّم نموذجًا مختلفًا تمامًا: “ها أنا واقف على الباب وأقرع” (رؤيا 3: 20)
 
إنه لا يقتحم، بل يدعو. ولا يفرض، بل ينتظر استجابة حرة.
 
“تعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32)
 
وهنا يتجلى الفارق الجوهري:
القوة البشرية تغيّر السلوك بالإجبار،
 
أما القوة الإلهية فتغيّر القلب بالنعمة.
 
سادسًا: زوال السلطان الزمني وثبات الملكوت الإلهي.
كل سلطة تاريخية، مهما بلغت، تخضع لقانون الزوال.
 
لكن الكتاب المقدس يعلن عن ملكوت مختلف في طبيعته:
“مملكته مملكة أبدية، وسلطانه إلى دور فدور” (دانيال 7: 14)
 
ويؤكد: “يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد” (عبرانيين 13: 
فالمعيار هنا ليس الامتداد الجغرافي أو الزمني، بل الأبدية.
 
وهو معيار لا يمكن أن تخضع له أي قوة بشرية.
 
سابعًا: الفداء كأسمى إعلان للقوة
في المنظور البشري، تُقاس القوة بالقدرة على أخذ الحياة.
 
أما في المسيحية، فتبلغ القوة ذروتها في بذل الحياة:
“لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليخدِم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مرقس 10: 45)
 
ويُحسم الأمر إعلانًا: “ليس بأحد غيره الخلاص” (أعمال الرسل 4: 12)
 
فالقوة هنا ليست في السيطرة على الآخرين، بل في خلاصهم.
 
وهذا بُعد لا يمكن لأي نموذج تاريخي أن يبلغه.
 
ثامنًا: معيار الله في مقابل معيار الإنسان.
تكمن جذور الخطأ في اعتماد معيار بشري محدود للحكم على حقائق إلهية: “لأن أفكاري ليست أفكاركم، ولا طرقكم طرقي يقول الرب” (إشعياء 55: 
“الإنسان ينظر إلى العينين، وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب” (1 صموئيل 16: 7)
 
فالحكم على السيد المسيح بمعايير القوة الزمنية يشبه قياس ما هو أبدي بما هو زائل.
 
ونرى إن المقارنة بين الرب يسوع المسيح وأي شخصية تاريخية، كـجنكيز خان، لا تصمد أمام التحليل الكتابي، لأنها تنطلق من فرضية خاطئة: أن جميع الشخصيات تخضع لمعيار واحد.
 
بينما الحقيقة التي يعلنها الكتاب المقدس هي أن السيد المسيح له المجد: ليس مجرد شخصية في التاريخ… بل ربّ التاريخ.
لذلك:
 
السيد المسيح لا يُقاس… لأنه المقياس.
 
ولا يُقارَن… لأنه المتفرّد.
 
ولا يُهزم… لأنه الغالب إلى الأبد.
 
“أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يوحنا 14: 6)
 
وبهذا يتضح أن المقولة – مهما بدت فلسفية أو تاريخية – لا تعكس إلا فهمًا بشريًا قاصرًا، بينما يبقى الإعلان الكتابي شاهدًا أمينًا أن انتصار المسيح أعمق من التاريخ، وأبقى من الزمن، وأسمى من كل مقارنة.