(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

المرحلةُ العاشرة: يسوعُ يُعرَّى من ثيابه
«وأَمَّا الجُنود فبَعدَما صَلَبوا يسوع أَخذوا ثِيابَه وجَعلوها أَربَعَ حِصَص، لِكُلِّ جُندِيٍّ حِصَّة. وأَخَذوا القَميصَ أَيضًا وكانَ غَيرَ مَخيط، مَنسوجًا كُلُّه مِن أَعلاهُ إِلى أَسفَلِه. فقالَ بَعضُهم لِبَعض: "لا نَشُقَّه، بل نَقتَرِعُ علَيه، فنَرى لِمَن يَكون". فتَمَّتِ الآية: "إقتَسَموا ثِيابي وعلى لِباسي ٱقتَرعوا". فهٰذا ما فَعَلَه الجُنود» (يوحنّا 19: 23-24).
 
إنَّ المراحل أو المحطّات الخمسة المتبقّية من دَرْب الصليب، كلّها أفعالٌ قد وَقَعَت ليسوع الناصريّ، ومرتبطةٌ من كثبٍ بالنهاية المأسويّة المتعلّقة بعمليّة الصَّلْب: التعرية، والتسمير، والموت، والإنزال، والدفن. فترتبط هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، التي لها سندٌ تاريخيّ وكتابيّ، بـ"تعرية" يسوع. ويمكننا أن نتأمّل في هذه المرحلة أو المحطّة، انطلاقًا من (يوحنّا 19: 23-24)، على أكثر من أمرٍ: فعلى سبيل المثال، مسألة "ملابس" يسوع، من حيث فكرتها وربطها بنصوصٍ من العهد القديم، بدايةً من سفر التكوين؛ وتقسيمها وشقّها إلى أربعة أجزاء أو حِصَص، التي قد تشير بدورها إلى جهات الأرض الأربعة؛ والقميص "غَير المَخيّط" و"المَنسوج"، الذي قد يعني وَحدةَ الكنيسة التي حقّقها يسوع، بالرغم من الأحداث والحوادث التاريخيّة المؤلِمة التي مزّقت هذه الوحدة.
 
ولكنّنا نودّ التركيز على أمر "تعرية" يسوع، وإبقائه من دون ملابس. وبكلماتٍ أُخرى، إنّ ما يشدّنا أكثر في هذه المرحلة أو المحطّة، هو قضيّة "يسوع المتعرّي" وما تحمله من مَغْزى عميقٍ متعلّق بحرّيّته في الانسلاخ والتخلّي والتجرّد. إنّه استكمالٌ لخلع ملابسه في العشاء الأخير أيضًا. 
 
أجل، لقد انسلخ يسوعُ الناصريّ –بحرّيّةٍ تامّة– عن كلّ شيء، حتّى عن ملابسه. إنّ هذه المرحلة أو المحطّة من دَرْب صليبه، لهي –جوهريًّا– امتدادٌ لمسيرة الانسلاخ والتخلّي والتجرّد، التي بدأت منذ "تجسُّد اللوغُس"، مرورًا بـ"يسوع المتعرّي المصلوب"، وصولًا إلى "المسيح المائت والمدفون" بقبره.
 
أنّ الإله المتجسّد، الذي اختبر فِعْل الانسلاخ والتخلّي والتجرّد منذ عمليّة خَلْقه للإنسان، نراه الآن يُعرَّى وينسلخ ويتخلّى ويتجرّد من ملابسه؛ وهذا الفِعْل ليس إلَّا الجانب الخارجيّ والظاهريّ لعمليّة الانسلاخ الباطنيّة العميقة: «هو الَّذي في صُورَةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة، بل تَجَرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد، وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان. فَوَضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت، مَوتِ الصَّليب» (فيلبّي 2: 6-8).
 
ولكن، لماذا هذا كلّه؟
لقد قام بهذا كلّه حتّى يضع علينا لِباسَ الكرامة والعزّة والبنوّة. فإنّه بتعريته قد كسانا، وبمذلّته قد كرّمنا، وبتخلّيه قد رفعنا ومجّدنا.
 
فلا شكّ أنّه في التخلّي تجلّي! إنّها مفارقةٌ أُخرى من مفارقات دَرْب صليبه، إذ إنّه في تخلّيه قد تجلَّى هو، له ولنا. وانطلاقًا من هذا كلّه، يجدر بنا التعمُّق –بالقول والفِعْل– في هذه الكلمات الرائعة: «أَمَّا أَنا فمَعاذَ اللهِ أَن أفتَخِرَ إِلَّا بِصَليبِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! وفيه أَصبَحَ العالَمُ مَصْلوبًا عِنْدي، وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم» (غلاطية 6: 14).