د.عايدة نصيف
كانط والسلام الدائم في زمن الحروب الإقليمية
وانا اتابع اخبار الحرب الدائرة الان فى المنطقة ذهنى تطرق الى كانط ومشروعه عن السلام الدائم اذ
يُعد مشروع السلام الدائم للفيلسوف الألماني ايمانويل كانط من أهم المشروعات الفلسفية في الفكر السياسي الحديث، حيث حاول كانط أن يضع تصوراً عقلانياً وقانونياً لإنهاء الحروب بين الدول، وليس مجرد إيقافها مؤقتاً.
فقد كتب كانط هذا المشروع عام 1795، وكان هدفه الانتقال من فكرة السلام المؤقت بعد الحروب إلى فكرة السلام القائم على نظام دولي يحول دون نشوب الحروب من الأساس.
يرى كانط أن الحالة الطبيعية بين الدول ليست السلام بل الصراع، ولذلك فإن السلام لا يحدث تلقائياً، بل يجب أن يُبنى على القانون والعقل والتنظيم السياسي الدولي. فالهدنة ليست سلاماً، ومعاهدات ما بعد الحروب ليست سلاماً دائماً، لأنها غالباً ما تكون مجرد توقف مؤقت للقتال، ثم تعود الحروب مرة أخرى. ومن هنا وضع كانط مجموعة من الشروط لتحقيق السلام الدائم، مثل عدم تدخل دولة في شؤون دولة أخرى، وضرورة قيام أنظمة حكم قائمة على القانون وتمثيل الشعب، وإنشاء اتحاد دولي يحافظ على السلام، واحترام حقوق الإنسان على المستوى العالمي.
ومن أهم أفكار كانط فكرة الاتحاد الدولي الذي ينظم العلاقات بين الدول على أساس القانون وليس القوة، وهي الفكرة التي ظهرت لاحقاً في المنظمات الدولية مثل الامم المتحدة وكان كانط يرى أن السلام الحقيقي لا يتحقق بتوازن القوة العسكرية، بل بسيادة القانون الدولي، وأن الدول إذا احتكمت إلى القانون بدلاً من السلاح فإن الحروب ستقل تدريجياً حتى تختفي.
وعند إسقاط أفكار كانط على الحروب الإقليمية الدائرة في العالم اليوم، نجد أن معظم أسباب الصراعات الحالية تشبه إلى حد كبير الأسباب التي تحدث عنها كانط منذ أكثر من مائتي عام، مثل الصراع على النفوذ، والتدخل في شؤون الدول، وسباق التسلح، وغياب العدالة في النظام الدولي، واستخدام القوة لتحقيق المصالح السياسية. ولذلك فإن وقف إطلاق النار في الحروب الإقليمية لا يعني تحقيق السلام، بل قد يكون مجرد هدنة مؤقتة، لأن السلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة أسباب الصراع وليس فقط إيقاف القتال.
ومن منظور كانطى، فإن السلام في أي إقليم مضطرب لن يتحقق إلا إذا توافرت عدة شروط، منها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل العسكري، وتقليل سباق التسلح، ووجود نظام أمني إقليمي قائم على التعاون، والاحتكام إلى القانون الدولي في حل النزاعات، وتحقيق قدر من العدالة السياسية والاقتصادية بين الدول. فالحروب في جوهرها ليست مجرد صراعات عسكرية، بل هي نتيجة صراعات سياسية واقتصادية واختلال في توازن العدالة الدولية.
ويمكن ان اقول إن العالم اليوم لم يصل بعد إلى مرحلة السلام الدائم التي تصورها كانط، لأن العلاقات الدولية ما زالت تقوم في كثير من الأحيان على القوة العسكرية والتوازن العسكري أكثر مما تقوم على القانون الدولي. ولذلك تتكرر الحروب الإقليمية حتى في ظل وجود منظمات دولية واتفاقيات سلام، لأن النظام الدولي نفسه لم يصل بعد إلى مرحلة سيادة القانون بشكل كامل.
وفي نهاية مقالى استطيع ان اقول، تظل فكرة كانط الأساسية صالحة حتى اليوم، وهي أن السلام الدائم لا يتحقق بالقوة ولا بالخوف المتبادل، بل يتحقق عندما تقوم العلاقات بين الدول على القانون والعدالة والتعاون، وعندما تدرك الدول أن الحرب ليست وسيلة لتحقيق المصالح، بل طريق دائم لعدم الاستقرار. ولذلك فإن مشروع السلام الدائم ليس مجرد فكرة فلسفية سياسية قديمة، بل ما زال يمثل أحد أهم التصورات الفكرية لفهم الحروب المعاصرة وكيف يمكن للعالم أن ينتقل من مرحلة الصراع إلى مرحلة السلام الحقيقي.
نقلا عن الحرية





