بقلم الأب يسطس الأورشليمى
من أجل أي إنسان منا إذا كان بمثابة هذا المفلوج قواه الروحية مشلولة، ويقول: أنا لا أعرف أن أصلّي، وعندما أصلّي أتثاءب وهناك فتور وملّل في حياتي، ولا أطيق الصلاة وفقد الشهية لها، عندما الإنسان يفقد الشهية في الطعام، يقولون هذه علامة على أنه مريض.. 

وهُنا مشلول وغير قادر أن يتحرك، غير قادر أن يرفع قلبه وعقله لفوق، لابد أن هناك مرضاً أصاب الحياة الرُوحية، ونحنُ نُريد أن نستيقظ ونتنبه، وفرصة الصوم الكبير، فرصة يقظة وعودة إلى الله وتجديد العهود معه، ومراجعة النفس ومحاسبتها محاسبة يومية..

ماذا صنعت اليوم؟ وما هي تصرفاتي؟ وفي هذه المراجعة أكون دقيقاً لا أتملق نفسي، ولا أحيل الذنب على الآخرين..
اعلم أن الثبات في الفضائل أهم بكثير من اقتنائها..

لأنه ما أسهل أن تسير في فضيلة ما يوماً أو أكثر، لكن المهم أن تستمر حتى تصبح هذه الفضيلة عادة فيك، أو تتحول إلى طبع، وهكذا تحتاج التداريب الروحية إلى مدى زمني لكي ترسخ في أعماقك كما قال مار أسحق: إن كُل تدبير لا تثبت فيه زمناً يكون بلا ثمر..

أعط دُون أن يطلب منك، فهكذا يفعل أبونا السماوي معنا..
لا تُؤجل العطاء فربما التأخير يسبب ضرراً للمحتاجين..

درب نفسك أن تعطي من أفضل ما عندك وليس ما هُو قديم، وتذكر أن: هابيل قدم من أبكار غنمه ومن سمانها (تك4:4).. 
المسيحية في حقيقتها ليست مُجرد عظات وصلُوات وابتهالات، بل هي أحشاء ورأفة وحنان، تفرح في سكب العطف واللطف على القلُوب المُتضايقة المغمُومة الحزينة، وتستر كثرةً من الخطايا (1بط8:4)..

المحّبة العملية التي تتمثل في الأيادي المُتشابكة سوياً، والقلوب المُتحدة معاً في قلبه العظيم، بهذا يعرف الجميع أنكُم تلاميذي، وهكذا خلقك الله تكتمل في وحدتك مع أخوتك، فمشيئته أن نُكمل بعضنا البعض، لأنه كما أن الجسد هُو واحد وله أعضاء كثيرة (1كو12:12)..

قرأت عن نحات وهوُ ينحني إلى الأرض، راح بمطرقته وأزميله يحول قطعة من الرخام والحجر الأصم إلى تمثال رائع جميل..
مر به خادم وتفرس فيما يعمل ثُم تنهد وقال: آه .. لو كان لي مثل هذه الطرقات الفعالة على القلوب الصخرية التي أخدمها..
أجاب النحات مندهشاً: لم لا، يا سيدي؟!  يُمكنك ذلك لو جاهدت مثلي راكعاً على ركبتيك!!

إن الله لا يمنع الضيقة حتى عن أحب الناس إليه..
إنه يكُون مع أحبائه في الضيقة، ويصنع معهُم عجباً..

لقد كان مع الثلاثة فتية في أتُون النار، حيثُ قيل: إنه كان معهُم رابع شبيه بابن الآلهة (دا25:3)، فهُو حلهُم من وثاقهُم، وتمشى معهُم وهُم محلُولُون، ولم يسمح للنار أن تكُون لها قُوة على أجسادهُم، ولا ثيابهُم فلم تحترق، إنها خبرة تمتع بها الثلاثة فتية، وما كان لهُم أن يتمتعُوا بها، إلاّ في أتُون النار! وفي الأتُون اختبرُوا الرّب يسُوع..

الإنسان المُؤمن هتافه اليومي هُو: يسُوع المسيح هُو هُو أمساً واليوم وإلى الأبد (عب8:13)..

إن مسيحنا فوق الزمان، هُو اللغُوس الأزلي، الذي لما جاء ملء الزمان وُلد من العذراء مريم، واتخذ منها جسداً وشابهنا في كُل شيء ما خلا الخطية وحدها، وبهذا الجسد مات على الصليب، ثم قام لخلاصنا، وهو يُغسلنا بدمه كُل يوم، إلى أن يأتي ليأخذنا..

مسيحنا فوق المكان، فهُو الذي قال: وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء، ذلك لأنه أمامنا على الأرض حين كان معنا، وهو في كُل مكان بلاهوته المتحد بهذا الناسوت، فهُو في السماء وعلى الأرض..

مسيحنا فوق الإنسان، لذلك مَن ذا الذي يقول فيكون والرّب لم يأمر، إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراً، لأنك أنت معي، إن كان الله معنا فمَن علينا؟ لذلك لا أخاف ماذا يصنع بيّ إنسان؟
راجع (مز4:23؛ مرا37:3؛ رو31:8؛ عب6:13).. 

مسيحنا فوق الأحداث، الرّب نوري وخلاصي ممن أخاف؟ الرّب حصن حياتي ممن أرتعب؟ عندما أقترب إلى الأشرار ليأكلوا لحمي، مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا، إن نزل عليّ جيش لا يخاف قلبي، إن قامت عليّ حرب ففي ذلك أنا مطمئن، واحدة سألت من الرّب وإياها ألتمس أن أسكن في بيت الرّب كُل أيام حياتي .. يسترني بستر خيمته، على صخرة يرفعني، والآن يرتفع رأسي على أعدائي (مز1:27-6)..
هذا الرُوح الناري، صوت حيّ له فعالية، وسُلطان مستمَد من سُلطان المسيح نفسه الذي نفخ في وجُوههُم وقال لهُم: أقبلوا الرُوح القُدس، راجع (يو22:20؛ غلا27:3)، فقبله جميع الحاضرين..

يقصد بمعمُودية الرُوح القُدس تفجّر الطاقات الكامنة المأخوذة في سرّ المعمُودية (المسيح الذي عمّد بالرُوح القُدس والنار)، لأن الرُوح المعزّي يُعطينا العمل بالتوبة ليردنا ثانيةً إلى رئاستنا الأولى، فنرث الميراث الذي لا يزول، لأن كلُ الذين يعتمدُون، فالمسيح يلبسون.. 

فإذا سكن رُوح الله فيهُم، فإنه يُريحهُم في جميع أعمالهُم، ويحلّي لهُم نير الله، ويصيرُون لا يتعبُون لا في عمل الفضائل ولا في الخدمة وسهر الليالي، ولا يغضبُون، لأن فرح الله معهُم ليلاً ونهاراً..

مَن هُم الذين عرفوا لذة الرُوح وحلاوته إلا الذين يحلّ فيهُم؟
هذا الرُوح هُو الجوهرة الثمينة والكنز المخفي في حقل (مت44:13)، هكذا القديسُون في كُل الأجيال، عندما وجدُوا هذا الرُوح وسكن فيهُم كشف لهُم أسراراً عظيمة وأعطاهُم فرحاً وراحة لقلوبهُم..

وكما أن الأشجار إن لم تشرب من الماء لا يمكنها أن تنمو، فهكذا النفس إن لم تقبل الفرح السماوي لا يمكنها أن تنمو وتصعد إلى العلاء، أما النفُوس التي قبلت الفرح السماوي فتنمو وتنكشف لها أسرار ملكوت السموات وهي في هذا الجسد، وتجد دالة أمام الله في كُل شيء..

لكن ماذا نعمل لنقتني الرُوح القُدس؟!

ينبغي أن نزيل ما يمنع حلول الرُوح القُدس فينا، لأن الرُوح نفسه يشتهي أن يملأنا ونحنُ الذين نمنعه من ذلك، فهُو لا يسكن في نفس خاطئة متكبّرة، بل في نفُوس المتواضعين لأنه قدُوس، قدموا أتعاب الجسد وتواضع القلب وارفعوا أفكاركُم إلى السماء، واطلبُوا باستقامة قلب هذا الرُوح الناري، وحينئذ يُعطى لكُم، والصلاة لها الدور الأساسي، فتكون بلا انقطاع، وباجتهاد، وبإيمان، اطلبوا باستقامة قلب وأنتُم تقبلونه، وهكذا تكون مسيرة الراهب من بدايتها إلى نهايتها تحت إرشاد الرُوح القُدس..

هذا الرُوح الناري العظيم، نار إلهية تسكن النفس وتطير بها مرتفعة نحو السماء، نار نار نار هي سرّ الحياة الرُوحية، وأساس كُل سيرة في المسيح يسُوع، ومبدأ ودعامة كُل فضيلة، وعلّة كُل عمل صالح، وإذا عُدمت هذه النار تصير كالطير الذي نُزع عنه جناحه..

تلك النار التي هي حرارة الأعمال الصالحة التي اشتعلت في قلوبهم، لكن ماذا تُشبّه هذه النفُوس التي سكنتها نار الله؟!

إنها تشبّه طيراً ذا جناحين يطير بهما ويعلو مرتفعاً في السماء، وأجنحة المتعّبد للرّب هي قوة نار الله التي يمكنها أن تطير بها إلى علو السماء، فإذا عُدمت النفس تلك الأجنحة لا تبقى لها استطاعة أن ترتفع إلى الجو، كطير نُزع عنه جناحاه وصار لا يستطيع الطيران..

وأيضاً تُشبّه نفس الإنسان بالطير، لكون الحرارة هي سبب وجوده في العالم، لأن البيض ما لم يحتضنه الطائر في كُل وقت، فلا يمكن أن تخرج منه فراخ حيّة، لأن حياتها لا يمكن أن توجد إلا في الحرارة، لهذا قال الرّب: يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المُرسلين إليها، كم مرّة أردت أن أجمع بنيكِ كما يجمع الطائر فراخه تحت جناحيه ولم تُريدوا، فالمسيح يُريد أن يجمعنا فيه كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ليس فقط بمعنى الوحدة الرُوحية بل بمعنى شهوة المسيح في أن يمدّنا بالنار الإلهية الموجودة فيه، كما تُدفيء الدجاجة فراخها وتمدها بالحرارة..

إذن، فجميع حرُوب الشيطان تهدف إلى غاية واحدة وحيدة، هي نزع عنا هذه النار، مَن هُو الراهب الحكيم إلا الذي احتفظ بحرارته من أن تُطفأ، حتى إلى زمان خرُوجه، فهُو لا يكفّ أن يشعل في قلبه ناراً على نار، ونشاطاً على نشاط، وأشواقاً على أشواق، وغيرة فوق غيرة..

إن الإنسان إذا كان يحب الله بكُل القلب، وبكُل الفكر، وبكُل النية، وبكُل القوة، فإنه يقتني خوف الله، والخوف يُولد البكاء، والبكاء يُولد القوة، وبكمال هذه في النفس تُثمر في كُل شيء، فمَن من الرهبان لا يحب الله؟! 

المهم هُو أن تكون المحبّة لله من كُل القلب..

إذن، فمحبّة الله من كُل القلب هي منبع سعادة الراهب وانتعاشه الرُوحي، ولكن كيف نقتني هذا الحب ونحتفظ به دُون أن يفتر؟!

أن محبتنا لله ليست إلا رد فعل لمحبّة الله لنا، فيقول:
في هذا هي المحّبة: ليس أننا نحنُ أحببنا الله، بل أنه هُو أحبنا، وأرسل ابنه كفارة لخطايانا .. نحنُ نُحبه لأنه هُو أحبنا أولاً، والسبب الوحيد هُو محّبة الله لنا غير المُدركة، لقد صار شبيهاً لنا في كُل شيء ما خلا الخطية وحدها، بمسكنته صرنا أغنياء، وبضعفه صرنا أقوياء، وصار هُو لنا جميعاً قيامة، وأبطل عنا سُلطان الموت (1كو25:1؛ 2كو9:8).