المرحلةُ الحادية عشرة: يسوعُ يُسمَّر على الصليب
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
«ولمَّا وَصَلوا إِلى المَكانِ المَعروفِ بالجُمجُمة، صَلَبوهُ فيهِ والمُجرِمَيْن، أَحَدُهما عنِ اليَمينِ والآخَرُ عَنِ الشِّمال. فقالَ يسوع: "يا أَبَتِ ٱغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون". ثُمَّ اقتَسموا ثِيابَه مُقتَرِعينَ علَيها. ووقَفَ الشَّعْبُ هُناكَ يَنظُر، والرُّؤَساءُ يَهزَأُونَ فيقولون: "خَلَّصَ غَيرَهُ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَه، إِن كانَ مَسيحَ اللهِ المُختار!". وسَخِرَ مِنه الجُنودُ أَيضًا، فدَنَوا وقرَّبوا إِلَيه خَلًّا وقالوا: "إِن كُنتَ مَلِكَ اليَهود فخَلِّصْ نَفْسَكَ!"» (لوقا 23: 33-37).
إنَّ هذه المرحلة أو المحطّة من دَرْب صليب يسوع الناصريّ، مرتبطةٌ بعمليّة الصَّلْب ذاتها، وخاصّةً بمسألة تسمير يَدَيه ورِجلَيه، واقتسام ثِيابَه. وهي تذكّرنا مباشرةً بكلمات أحد المزامير المعروفة: «كِلابٌ كَثيرةٌ أَحاطَت بي، زُمرَةٌ مِنَ الأَشْرارِ أَحدَقَت بي. ثَقَبوا يَدَيَّ ورِجلَيَّ. وأَحصَوا كُلَّ عِظامي، وهم يَنظُرونَ ويَرَونَني. يَقتَسِمونَ بَينَهم ثِيابي، ويَقتَرِعونَ على لِباسي» (مزمور 22: 17-19). إنّ عمليّة تسمير يَدَي ورِجلَي يسوع في حدّ ذاتها، لهي أمرٌ مؤلِم ومنهِك للغاية، إذ ليس لها تبعيّات على جسده ونفسه وقدراته الجسمانيّة والسيكولوجيّة فحسب، وإنّما فيها اختبارٌ قاسٍ لمدى أمانته وصُمُوده ومواصلته لدَرْبه حتّى النهاية. أجل، فهذه المرحلة أو المحطّة من دَرْب صليبه، لا تُؤذِي بشدةٍ جسده ونفسه وأعصابه وأعضاءه، وإنّما تضعه أمام اختبار الأمانة لقراراته واختياراته حتّى النهاية، أي حتّى الموت.
بالإضافة إلى طَلَبِ الناصريّ من أبيه بشأن "الغُفْران" لصاليبه، يتعلّق الأمر بموقفٍ آخر، بل بالأحرى بوجهٍ آخر للمسيح المصلوب، وهو "المسيح المسمَّر والمعلَّق والمربوط" بصليبه وفي صليبه، أي بقراراته واختياراته التي اتّخذها من قَبْل، وقد ظلّ أمينًا لها وفيها –بحسمٍ وحزمٍ شديدين– حتّى النهاية. وتَظهر هنا قوّةُ الارتباط والتعلُّق بما تعهّد به لله أبيه، وللبشريّة جمعاء، أي المضيّ قُدمًا في رسالته، مهما كان الأمر مكلّفًا ومنهِكًا، وبالرغم من سُخريّة واستهزاء الشَّعْب ورؤَساء الكهنة والجُنود، وخَلْفهم الشيطان الذي عاد ليجرّبه من جديدٍ (لوقا 4: 1-13؛ 23: 33-37): «فلَمَّا أَنْهى إِبليسُ جَميعَ ما عِندَه مِن تَجرِبَة، اِنصَرَفَ عَنه إِلى أَن يَحينَ الوَقْت» (لوقا 4: 13). لقد بلغت قوّةُ إرادته وأمانته ومثابرته، بعَوْنٍ من قوّة النعمة، إلى ذُروتها في تسمير يَدَيه ورِجلَيه. لقد عَقَدَ المسيحُ العَزم –بإصرارٍ وحسمٍ وحزمٍ– لتَجرُّع كَأْسه برمّتها، ومواصلة مجازفته إلى نهايتها. إنّه ليس مسيحَ البدايات فحسب، بل مسيح النهايات والقِمْم والذُروة والحسم والحزم.
يمكننا أن نتأمّل في هذه المرحلة أو المحطّة، انطلاقًا من "المسيح المسمَّر والمعلّق والمربوط"، في خبرات الربط والارتباط والتعلُّق المتنوّعة الموجودة في حياتنا، بل التي تغلّف حياتنا برمّتها، أي في قراراتنا واختياراتنا الحاسمة والنهائيّة، التى تتطلّب منَّا نوعًا من الأمانة والاستمراريّة والحسم والحزم. وبكلماتٍ أُخرى، يتعلّق الأمر بقرارات واختيارات حاسمة، وبشكلٍ نهائيّ، وإلى مدى الحياة؛ أعني فِعْل الارتباط والتعلُّق بشيءٍ ما من دون رجعة، بغضّ النظر عن العوائق والعقبات والتهديدات، أو حتّى الإغراءات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ثمَّة قرارات واختيارات الزواج، والكهنوت، والتكريس؛ إذ إنّها تتطلّب الحسم والصُمُود والاستمراريّة حتّى النهاية. ومع كون العالم المعاصر يرفض –بأشكالٍ عدّة– هذا النوع من الارتباط والتعلُّق، بل ويناهضه، وينادي بأنّ كلّ شيءٍ هو وقتيٌّ ولحظيّ، فما مِن أمرٍ يستمرّ طويلًا، ويزعم بأنّنا في زمن القرارات والاختيارات السائلة والمائعة والاستهلاكيّة؛ تحثّنا هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، اقتداءً بـ"المسيح المسمَّر والمعلّق والمربوط"، إلى "روحانيّة التسمير والارتباط والتعلُّق"!
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)





