شارل فؤاد المصري يكتب  ماذا لو خرج الاميركان من الخليج ؟
قبل يومين طرح الصديق العزيز  والعالم الكبير الأستاذ الدكتور رضا عامر الطبيب والفنان علي صفحته في فيس بوك سؤالا اعتبره  هو سؤالا سفسطائيا.. والسؤال هو 

ما هى السيناريوهات المحتملة لو دول الخليج مجتمعة طلبت من امريكا ازالة قواعدها فى المنطقة ؟؟
وجاءت التعليقات عاطفية أحيانا وانطباعية أحيانا اخري ولكن السؤال سؤالا مهماوعميقا من جهة العلوم السياسية و ليس "سفسطائياً" بالمعنى السلبى بل هو تمرين ممتع في السياسة الواقعية والتوقعات الجيوسياسية لان طلب مثل هذا ليس مجرد إجراء إدارى بل هو زلزال سياسى سيعيد تشكيل خريطة القوى العالمية.

​والسيناريوهات المحتملة لهذا "الطلاق" إذا جاز لنا التعبير واعتبرناه طلاقا بائنا لا رجعة فيه  سيكون بمثابة زلزالا جيوسياسيا كبيرا وعظيما .

علي  المستوي الدبلوماسي سيتم "إعادة التموضع الهادئ" وسيتم التعامل مع الطلب كتحول استراتيجي طويل الأجل ستحاول 
​أمريكا فيه المماطلة لسنوات تحت ذريعة "الاعتبارات اللوجستية".

وقد تنقل ثقلها إلى قواعد في الأردن أو  قبرص أو حتى اليونان وشرق أفريقيا.

في الوقت الذي سينعكس علي ​دول الخليج كافة  في حال الموافقة سيتوجب عليها أن تقدم ضمانات باستمرار تدفق النفط وتسعيره بالدولار مقابل رحيل القوات لضمان عدم انهيار النظام المالى العالمي.

​وينتج عن ذلك تراجع النفوذ الأمريكى المباشر مقابل استقلال القرار خليجى بشكل أكبر لكن مع بقاء "تحالفات تحت الطاولة".

​اما الجانب الأمني سينتج عن هذا الطلب "فراغ القوة" حيث ​تعتمد نظرية الأمن في المنطقة منذ عقود على "المظلة الأمريكية" و رحيلها المفاجئ قد يؤدي إلى ​سباق تسلح إقليمي وستجد دول المنطقة نفسها مضطرة لبناء قدرات عسكرية هجومية ودفاعية جبارة وربما نووية لسد الفراغ.

الأخطر هو ​تجرؤ الخصوم وربما قد نرى أطراف إقليمية مثل إيران مثلما تفعل الان  أو فصائل مسلحة في هذا الانسحاب فرصة لفرض هيمنة أوسع مما قد يؤدي لعدم استقرار مؤقت فى ممرات الملاحة الدولية وهو الذي يحدث الان رغم وجود الاميركان .

ومن منطلق أن الطبيعة والسياسة تكره الفراغ سنجد أن السيناريو "البديل  هو روسيا والصين
والصين ​اعتقد انها ستبتسم كثيرا و قد لا ترسل جيوشا لكنها ستعرض "اتفاقيات أمنية تقنية" وحماية للموانئ مقابل عقود طاقة حصرية لان السياسة لا تعرف إلا المصالح 

اما ​روسيا  قد تلعب دور السمسار الأمنى ومورد السلاح الأساسى دون الشروط السياسية التى تفرضها واشنطن.
​ وستكون النتيجة تحول منطقة الخليج إلى منطقة متعددة الأقطاب بدلا من منطقة نفوذ أمريكية خالصة .

والسؤال هنا هل ستقبل اميركا بسهولة؟.. الإجابة بالتأكيد لا وستعمل علي ايجاد "الضغط المضاد" وهو رد فعل طبيعى
​لان واشنطن لن ترحل ببساطة بمجرد "طلب مهذب" و قد تستخدم أوراق ضغط قوية عن طريق ​رفع الحماية السياسية و التوقف عن استخدام "الفيتو" في مجلس الأمن لصالح بعض الملفات.

وكذلك ستعمل علي ​سلاح العقوبات أو الصفقات المعطلة وتجميد صفقات الأسلحة المتطورة مثل مقاتلات F-35 وقطع الدعم الفني عن الأسلحة الموجودة فعليا.

وربما تلجأ الي ​تحريك الملفات الداخلية وهي تجيد تلك الألعاب عبر الضغط عبر ملفات حقوق الإنسان أو دعم معارضات معينة لإشغال الدول بنفسها.
​إذا حدث هذا الطلب بشكل مجتمع وموحد فهو يعني نهاية المبدأ الذى وضعه الرئيس الأميركي جيمى كارتر الذي يعتبر الخليج منطقة مصالح حيوية لأمريكا تستوجب التدخل العسكري. وستتحول دول الخليج من حلفاء تحت الحماية ..إلى لاعبين دوليين مستقلين لكن الثمن سيكون تحمل مسؤولية أمن المنطقة بالكامل بمفردها وهو عبء لوجستي ومالى هائل.

ارجو أن أكون قد لامست جزءا من المسكوت عنه 
حفظ الله الاصدقاء
ودامت مصر سالمة 
الكاتب : صحفي وباحث في العلوم السياسية