بقلم الشيخ نادية هنرى بشارةً
رد كتابي ولاهوتي 
تنتشر أحيانًا عبارات قاسية مثل: “اليهود قتلة المسيح” أو “شعب مرفوض”، ويُبنى عليها مواقف عدائية. لكن السؤال الجوهري هو: هل هذا الموقف له أساس كتابي صحيح؟
 
الإجابة المختصرة: لا — بل هو إساءة لفهم الكتاب المقدس وتعاليم المسيح والرسل.
 
مقدمة كتابية
يقدّم الرسول بولس رؤية متوازنة وعميقة في التعامل مع موضوع رفض البعض وإيمان البعض الآخر، فيقول:
 
“فَإِنْ كَانَتْ زَلَّتُهُمْ غِنًى لِلْعَالَمِ، وَنُقْصَانُهُمْ غِنًى لِلْأُمَمِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ مِلْؤُهُمْ!” (رومية 11:12)
 
“لأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَفْضُهُمْ هُوَ مُصَالَحَةَ الْعَالَمِ، فَمَاذَا يَكُونُ اقْتِبَالُهُمْ إِلاَّ حَيَاةً مِنَ الأَمْوَاتِ!” (رومية 11:15)
 
توضح هذه الآيات أن بولس لا يتعامل مع الموضوع بمنطق الإدانة النهائية، بل بمنطق إلهي أعمق:
 
هناك نتائج لرفض البعض أثمرت اتساعًا في دائرة الخلاص
لكن هذا لا يعني نهاية الرجاء، بل يشير إلى إمكانية أعظم في حال الإيمان والرجوع
بمعنى أن الفكرة ليست إلغاءً أو رفضًا دائمًا، بل فهم لديناميكية عمل الله في التاريخ، حيث يستخدم حتى الظروف الصعبة لتحقيق مقاصده، دون أن يلغي حرية الإنسان أو مسؤوليته.
 
أولاً: من المسؤول عن صلب المسيح؟
يُستخدم هذا الموضوع أحيانًا لتبرير الكراهية، لكن القراءة الدقيقة للكتاب المقدس تُظهر صورة مختلفة تمامًا.
1. المسؤولية ليست عرقية بل إنسانية
 
الكتاب يقدّم الصليب كحدث خلاصي يشترك فيه:
السلطات الرومانية (الحكم والتنفيذ)
قادة دينيون في ذلك الوقت
خطايا البشرية كلها
بمعنى أن المسيح مات بسبب خطايا العالم كله، وليس بسبب شعب بعينه.
 
2. شهادة المسيح نفسه
 
المسيح لم يدعُ إلى الانتقام، بل قال:
“يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون”
 
هذه العبارة تقطع الطريق على أي دعوة للكراهية أو الانتقام.
 
ثانياً: موقف الرسل من اليهود
1. الرسل أنفسهم كانوا يهودًا
التلاميذ
الرسل
الكنيسة الأولى
كلهم كانوا من اليهود.
فكيف يمكن اتهام “اليهود” بشكل عام بينما الإيمان المسيحي نفسه خرج من وسطهم؟
 
2. رفض التعميم
رغم وجود رفض من بعض اليهود، إلا أن:
آلافًا آمنوا
وآخرين رفضوا
وهذا ينسحب على كل الشعوب، لا على شعب واحد.
 
ثالثاً: تعليم الرسول بولس
الرسول بولس يقدّم أوضح رد على فكرة الكراهية:
1. رفض التعالي
“لا تفتخر على الأغصان”
تحذير صريح من الاستعلاء أو الإدانة الجماعية.
 
2. نظرة مليئة بالرجاء
يتحدث بولس عن:
حزن على عدم إيمان البعض
ورجاء مستقبلي في عمل الله
دون أن يدعو إطلاقًا إلى الكراهية.
 
رابعاً: خطورة فكرة الذنب الجماعي
الكتاب لا يعلّم أن شعبًا كاملًا يُدان بسبب أفعال بعض أفراده، لأن:
المسؤولية فردية
والدينونة ترتبط بالإيمان أو رفضه
خامساً: موقف المسيح من الأعداء
 
حتى لو افترضنا وجود عداء، فتعليم المسيح واضح:
“أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم”
فكيف يمكن تبرير كراهية شعب كامل في ضوء هذا التعليم

سادساً: الخلط بين اللاهوت والسياسة
كثير من مواقف الكراهية اليوم لا تنبع من النصوص، بل من:
صراعات سياسية
مواقف تاريخية
مشاعر جماعية
ثم يتم إسقاطها على النصوص الدينية، مما يؤدي إلى تفسير غير نزيه للكتاب المقدس.
يمكن تلخيص الموقف الكتابي في نقاط واضحة:
المسيح مات لأجل خطايا الجميع
لا يوجد ذنب جماعي لشعب بعينه
الرسل أنفسهم كانوا يهودًا
الكتاب يرفض التعالي والكراهية
المحبة هي المعيار الأساسي
الإيمان الحقيقي لا يبرر الكراهية، بل يكشفها ويعالجها.
 
وأي استخدام للدين لتبرير العداء لشعب أو جماعة هو انحراف عن جوهر الرسالة المسيحية التي تقوم على النعمة، والغفران، والمحبة.
 
السؤال الحقيقي ليس: من نلوم؟
بل: هل نعيش المحبة التي دعا إليها المسيح؟