د.ماجد عزت إسرائيل
يُعَدّ القديس الروحاني أباكير السرياني (1957–2002م) واحدًا من النماذج الرهبانية المميّزة في تاريخ دير السريان ببرية شيهيت في وادي النطرون، تلك البرية التي احتلت مكانة فريدة في الوجدان القبطي وفي تاريخ الرهبنة المصرية، إذ ارتبط اسمها عبر القرون بالنسك والصلاة والجهاد الروحي. وفي هذا الإطار برز أباكير السرياني لا بوصفه راهبًا فحسب، بل باعتباره أيضًا صوتًا شعريًا مميزًا، استطاع أن يعبّر عن روحانية الرهبنة القبطية، وأن يترجم خبرتها الداخلية إلى قصائد ومدائح ونصوص ذات طابع تربوي ونسكي عميق.
وُلد أباكير السرياني، واسمه العلماني صفوت وليم إسكندر، في 7 أكتوبر 1957م بالمعصرة التابعة لمدينة حلوان بمحافظة القاهرة. وقد تلقى تعليمًا أكاديميًا متميزًا، فالتحق بكلية الطب بالقصر العيني، وتخرج فيها في نوفمبر سنة 1981م، ثم واصل دراساته العليا فحصل على دبلومة المسالك البولية سنة 1984م، ونال درجة الماجستير في الجراحة سنة 1988م. كما شرع في إعداد أطروحته للدكتوراه، غير أنه لم يُكملها، إذ اتجه قلبه على نحو متزايد إلى الحياة الرهبانية، واختار أن يترك المسار الأكاديمي والمهني من أجل التفرغ الكامل لله في حياة التكريس والنسك.
فلم يكن انتقاله إلى الرهبنة تحولًا مفاجئًا منفصلًا عن سيرته السابقة، بل كان ثمرة مسار روحي طويل، اتسم بمحبة عميقة لله، ومواظبة واضحة على الحياة الكنسية، من خلال حضور القداسات والصلوات، والتناول من الأسرار المقدسة، والانشغال المستمر بشخص الرب يسوع. وقد عُرف عنه أيضًا تعلقه بقراءة الكتاب المقدس، وتأمله في سير الآباء القديسين والنساك والمتوحدين، حتى صارت الصلاة والتسبيح عنصرين جوهريين في تكوينه الروحي. ومن هنا يمكن فهم شخصيته الرهبانية على أنها امتداد طبيعي لحياة داخلية سبقت دخوله الدير، لا مجرد استجابة ظرفية أو عابرة.
وقد رُسم شماسًا في 11 يوليو 1985م، ثم نال الرهبنة في 31 مارس 2001م على يد قداسة البابا المتنيح شنودة الثالث، البطريرك السابع عشر بعد المائة، باسم “أباكير السرياني”. وقد جمع هذا الاسم، في دلالة رمزية لافتة، بين جذور خدمته السابقة وهوية تكريسه الرهباني، وكأن مسيرته بأكملها كانت تتجه منذ البداية نحو هذا الاكتمال الروحي داخل دير السريان العامر. وهناك مارس حياته اليومية في هدوء واتضاع، وظل يخدم بإخلاص حتى نياحته في 26 مارس 2002م.
وتكشف سيرة أباكير السرياني عن نموذج مميز للراهب المثقف، الذي جمع بين التكوين العلمي والخبرة الروحية، وبين الحس الأدبي والالتزام النسكي. فقد عُرف عنه حبه الشديد للشعر، كتابةً وإلقاءً، ونظم العديد من القصائد والمدائح التي عبّرت عن رؤيته للرهبنة، وعن علاقته بالله، وعن تقديره للآباء والشيوخ، فضلًا عن قصائد الرثاء والمديح التي أظهرت عمقًا إنسانيًا وروحيًا لافتًا. ولم يكن الشعر عنده مجرد لون أدبي، بل وسيلة تعبير لاهوتي وروحي، يُترجم بها خبرة الحياة مع الله، ويصوغ من خلالها رسائل تربوية موجّهة إلى الرهبان، وإلى الكنيسة، وإلى المجتمع المؤمن بوجه عام.
وقد وجّه أباكير السرياني في أشعاره رسالة واضحة إلى رهبان برية شيهيت وإلى راغبي الرهبنة القبطية، مفادها أن الرهبنة ليست انعزالًا سلبيًا عن العالم، بل هي حياة سماوية تُعاش على الأرض. فالراهب، في نظره، هو من يعرف المسيح ويلتصق به، ويحيا في البتولية والطهارة والاحتمال والجهاد. ومن أبلغ ما عبّر به عن هذه الرؤية قوله:
ها هنا في الدير نحيا....... طقس سكان السماء
في بتولية وطهر............... في براءة ونقاء
في احتمال وجهاد............ قائم حتى الدماء
هاهنا في الدير أفضل من...... قصور الأمراء
تعكس هذه الأبيات فهمًا عميقًا للرهبنة باعتبارها مشاركة في الحياة السماوية، لا مجرد نظام معيشة أو تقاليد خارجية. كما تكشف عن وعي روحي يرى في الدير فضاءً للتنقية الداخلية، ومجالًا للجهاد والتشبه بالمسيح.
وفي موضع آخر، أبرز أهمية خبرة الشيوخ والنساك والمتوحدين، مؤكدًا أن الحياة الرهبانية لا تُبنى على الحماس الفردي وحده، بل على الإصغاء إلى تراث الآباء والاقتداء بمن سبقوا في درب الجهاد. وقد عبّر عن ذلك شعريًا بقوله:
بيننا ناسك وزاهد.............يسكن بين القبور
بيننا صامت وتائه في...... المغاير والصخور
ومسبح لا ينام............. وصلاته كالبخور
تكشف هذه الأبيات عن تقدير بالغ للبعد النسكي المتوحد في برية شيهيت، كما تعكس إيمانًا بأن صلوات هؤلاء الشيوخ ليست خبرة شخصية تخصهم وحدهم، بل هي مصدر بركة وتعليم وإلهام لجماعة المؤمنين كلها. ومن ثم، فإن شعر أباكير السرياني لا يكتفي بوصف المشهد الرهباني، بل يسهم في تأصيل قيمه ونقلها إلى الأجيال التالية.
ولم تنحصر رسالته في الدائرة الرهبانية وحدها، بل امتدت إلى موضوعات كنسية وإنسانية أوسع. فقد تناول في شعره معنى الأمومة، لا بوصفها رابطة بيولوجية فحسب، بل باعتبارها قيمة روحية وتربوية تظهر في العذراء مريم، وفي الكنيسة، وفي الأم التي تُربي أبناءها على الإيمان. ومن هنا تتسع رؤيته لتشمل الأسرة والكنيسة والدير، بوصفها جميعًا أطرًا حاضنة للنمو الروحي والتشكيل المسيحي الصحيح. كما خصّ بطريرك الكنيسة القبطية بمشاعر احترام ومحبة واضحة، فمدح قداسة البابا شنودة الثالث بكلمات تعبّر عن مكانته الروحية والكنسية. ويكشف ذلك عن انتماء كنسي أصيل، وعن وعي بأن الرهبنة الحقة لا تنفصل عن الكنيسة، بل تتجذر في طاعتها وتخدم وحدتها وتكرم رعاتها.
ومن الجوانب اللافتة في شخصيته أيضًا نزوعه إلى شعر الرثاء، وهو لون أدبي كشف عن حساسية وجدانية عالية، وارتباط عميق بالعلاقات الإنسانية في إطارها المسيحي. فقد كتب في رثاء أبيه وأخته كلمات مؤثرة تعبّر عن الإيمان بالرجاء، وعن استمرار المحبة رغم الفقد. وهذا الجانب يوضح أن شخصيته الروحية لم تكن جافة أو منغلقة، بل كانت مشبعة بالحنان الإنساني، ومفتوحة على الألم بوصفه خبرة يمكن أن تتحول، بالإيمان، إلى صلاة وتأمل. ولم يتوقف عطاؤه عند الشعر المكتوب، بل تُرجمت موهبته إلى إنتاج مسموع أيضًا، إذ صدرت له ثلاثة ألبومات على شرائط الكاسيت والأقراص المدمجة، وهي: كواكب البرية لدير البراموس سنة 1990م، والعمودان النيران لدير القديس الأنبا بولا سنة 1992م، والقديس الأنبا برسوم العريان سنة 1993م. ويشير هذا الإنتاج إلى أن حضوره لم يكن محدودًا في نطاق ضيق، بل امتد ليصير جزءًا من الذاكرة الروحية والتسبيحية في الأوساط القبطية، حتى لُقّب بـ قيثارة الروح، وهو لقب يكشف عن تقدير الرهبان لموهبته ولمكانة شعره بينهم.
ومن خلال نصوصه التأملية ومقالاته الروحية، يظهر أباكير السرياني أيضًا كمعلّم روحي يربط بين الإيمان والصلاة والجهاد. فقد شدد على ضرورة الثقة في وعود الله، ورأى أن الشك يجرح العلاقة بين الإنسان وربه. كما ربط بين حياة الصلاة وخبرة التجربة، معتبرًا أن الإنسان المسيحي مدعو إلى الجهاد ضد هجمات الشر بالصلاة والصوم والثبات. ومن هنا تبرز كتاباته لا باعتبارها تأملات وعظية عامة، بل باعتبارها ثمرة معايشة فعلية للجهاد الروحي الذي اختبره وعبّر عنه بصدق.
وعند تأمل هذه الشخصية من منظور أكاديمي، يمكن القول إن أباكير السرياني يمثل نموذجًا فريدًا في الرهبنة القبطية المعاصرة، إذ اجتمعت فيه عناصر عدة قلما تجتمع بهذا الوضوح: التكوين العلمي، والعمق الروحي، والموهبة الشعرية، والانتماء الكنسي، والقدرة على تحويل الخبرة النسكية إلى خطاب شعري وتعليمي مؤثر. وهذا ما يجعل سيرته جديرة بالدراسة، لا من باب السرد التذكاري فحسب، بل باعتبارها نافذة على طبيعة الروحانية القبطية في صورتها المعاصرة، وعلى كيفية تفاعل الرهبنة مع اللغة والفن والتربية الكنسية.
فلقد رحل أباكير السرياني عن العالم في 26 مارس 2002م، لكن أثره لم ينقطع؛ إذ لا تزال ذكراه حاضرة في دير السريان، وفي أسرته الروحية، وفي كل من عرف شعره ومدائحه وتأملاته. والاحتفال السنوي بذكراه لا يُفهم باعتباره مجرد استعادة عاطفية للماضي، بل هو فعل اعتراف بقيمة سيرة روحية تركت بصمتها في الوجدان القبطي، ورسالة متجددة تؤكد أن القداسة قد تتجلى في الكلمة كما تتجلى في الصمت، وفي القصيدة كما تتجلى في الصلاة، وفي الاتضاع كما تتجلى في الموهبة.
وبذلك يبقى أباكير السرياني شاهدًا على أن الرهبنة القبطية ليست فقط تاريخًا من النسك والتجرد، بل هي أيضًا تاريخ من الإبداع الروحي، ومن الكلمة التي تُنشد الله وتخدم الكنيسة وتبني الإنسان.





