المرحلةُ الثانية عشرة: يسوعُ يموت على الصليب
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
«وكانَتِ السَّاعَةُ نَحوَ الظُّهر، فخَيَّمَ الظَّلامُ على الأَرضِ كُلِّها حتَّى الثَّالِثَة، لِأَنَّ الشَّمسَ قدِ احتَجَبَت. وانشَقَّ حِجابُ المَقدِسِ مِنَ الوَسَط. فصاحَ يسوعُ بِأَعلى صَوتِه [و]قال: "يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي!". قالَ هٰذا ولَفَظَ الرُّوح» (لوقا 23: 44-46).
تتعلّق هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، وفقًا لهذا النَّصّ من بشارة القدّيس لوقا، بأُمورٍ ثلاثة واضحة: صرخة وكلمة وحَدَث. بدايةً، إنّ أحد تعبيرات يسوع الناصريّ الأرضيّة الأخيرة، قَبْل موته، هو الصرخة، إذ إنّه قد صَاحَ بأَعلى صَوتِه أمام حقيقة الموت الوَشيكة المرعبة. ولم يكن صُراخُه يَأسًا وخوفًا ورُعبًا من الموت، وإنّما ثقةٌ في الله أبيه؛ فلا يمكن أن ينتهي كلُّ شيءٍ هنا، على الصليب، وعند أعتاب القَبْر. وكذلك، لم يصرخ يسوعُ لأنّه شَكَّ بُرْهَةً في أبيه السماويّ، وإنّما لأنّه كان مُتيقِّنًا بأنّ الله الآب لن يترك نَفْسه في مَثوَى الأَمْوات، ولن يدَع قُدُّوسَه يَنالُ مِنهُ الفَساد (رسل 2: 27). ولذا، فقد عَبَّرَ عن رفضه وصمته أمام حُسْبان الموت ككلمةٍ أخيرة، كما هو معتادٌ بالنسبة للبشريّة بأسرها.
وبالإضافة إلى هذه الصرخة الأخيرة المفعمة بالمعاني، نحن أمام إحدى العِبارات الأخيرة أيضًا، التي نَطَقَ بها يسوعُ قَبْل موته مباشرةً، وهي ذات أهمّيّةٍ بالغة: «يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي!» (لوقا 23: 45). إنّها ليست مجرّد جُملةٍ عابرة، فقد بلغت آلام صليبه إلى حدّ الذُروة، أي الموت. وانطلاقًا من صرخته وكلمته الأخيرتين، هل يا ترى كان ينتظر يسوعُ تدخُّلًا عجائبيًّا في اللحظات الأخيرة؟ وأمَّا الحَدَثُ، فهو "موت" الناصريّ، فقد «لَفَظَ الرُّوح» (لوقا 23: 45). لقد "مات" مصدر الحياة وواهبها، بل الذي هو "الحياة" عَيْنها (يوحنا 14: 6). إنّها مفارقةٌ أُخرى من مفارقات دَرْب الصليب.. كيف ولماذا حَدَثَ هذا؟
ترتبط الصرخةُ والكلمة والحَدَث، إذًا، بحقيقة الحقائق، أي "بالموت" بوجهٍ عامّ، وبموت المسيح بشكلٍ خاصّ؛ فنحن أمام "المسيح المصلوب المائت"! إنّنا، نحن الذين لا نفهم مَوْتَ البشر، ولا حتّى موتنا، كيف لنا أن نفهم مَوْتَ ابن الله على الصليب؟ لا شكّ أنّ يسوع المسيح ذاته، الذي سار قَبْلنا في طريق الظلمات وغَياهبها، هو الذي يُنير لنا الطريقَ في معرفة آخر أعدائنا وإبادته (1 قورنتس 15: 26)، وكيفيّة التعايش معه ومعايشته، لا كنهايةٍ، وإنّما كبدايةٍ، لا كانقطاعٍ، وإنّما كجسرٍ وعبور. فإن كُنَّا في ضوء حياة يسوع الناصريّ وأعماله وكلماته، نفهم حياتنا، فإنّنا في ضوء موته –المكتمل بقيامته– نفهم موتنا الروحيّ والجسديّ أيضًا. وعلى هذا النحو، فإنّنا في موتنا الأرضيّ نموت معه وبين يَدَيه. لقد تضامن يسوعُ المسيح معنا في الموت، إذ إنّه مات لأجلنا ونحن معه؛ وأعطى الموتَ معنًى جديدًا، ممّا يجعلنا نكتشف المعنَى لحياتنا ومماتنا.
ثمَّة أمرٌ آخر، وانطلاقًا من "المسيح المصلوب المائت"، وهو أنّ الإله الأحد-الواحد-الثالوث، الذي قد أظهر ذاته من قَبْل في الطبيعة والخليقة، وفي الهياكل والمعابد، قد تجلَّى الآن في ابنه المتجسّد المصلوب المائت؛ فإنّ «الشَّمسَ قدِ احتَجَبَت. وانشَقَّ حِجابُ المَقدِسِ مِنَ الوَسَط» (لوقا 23: 45). فيا جميع الناس، يا مَن تؤمنون بالله تعالى، نحن هنا أمام كمال وَحْي الله، الذي سَطَعَ بشكلٍ فريد في هذا المشهد المأسويّ والدراميّ؛ فإنّ إلهنا لم يتألّم ويُصلب فحسب، بل قد تنازل ومات في ابنه المتجسّد أيضًا!
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)





