هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
في ظل ما تشهده الدولة المصرية من ترسيخٍ  لقيم الدولة المدنية الحديثة، القائمة على المواطنة وسيادة القانون والمساواة بين جميع المواطنين، تبرز مسألة إدراج عيد القيامة المجيد ضمن قائمة الإجازات الرسمية العامة بوصفها قضية قانونية واجتماعية ذات أبعاد دستورية عميقة، تتجاوز مجرد تنظيم مواعيد العمل، لتلامس جوهر الانتماء الوطني ووحدة النسيج المجتمعي.

لقد أضحى من اللازم—بل ومن الواجب—إعادة النظر في الوضع الحالي لهذه المناسبة الدينية الكبرى، التي تمثل أقدس أعياد المسيحيين، وذلك في ضوء المبادئ الدستورية الحاكمة، والتطور التشريعي المستقر، وما استقر عليه العرف الإداري والقضائي في مصر.

حيث نص دستور جمهورية مصر العربية على مجموعة من المبادئ الحاكمة التي تُعد الإطار المرجعي لهذه المسألة، وفي مقدمتها:
المادة (9): التي تُلزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز. بما يقتضي احترام التعددية داخل المجتمع.

المادة (53): التي تنص صراحة على أن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو غير ذلك.

المادة (64): التي تكفل حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية.

ومن ثم، فإن عدم إدراج عيد القيامة المجيد كإجازة رسمية عامة، رغم إقرار إجازات عامة لمناسبات دينية أخرى، قد يثير تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق ذلك مع مبدأي المساواة والمواطنة في تطبيقهما العملي.

وقد جاء التنظيم القانوني للإجازات في مصر متسقًا مع فكرة المرونة التشريعية، حيث لم يضع المشرّع قائمة جامدة بالأعياد، بل فوّض السلطة التنفيذية في تحديدها، وذلك على النحو التالي:
- قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 نصت المادة (47) منه على: “يستحق الموظف إجازة بأجر كامل في العطلات الرسمية التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء.”

- قانون العمل رقم 14 لسنة 2025
نصت المادة  14 منه على أن: “للعامل الحق في إجازة بأجر كامل في الأعياد التي يصدر بتحديدها قرار من الوزير المختص، بحد أقصى ثلاثة عشر يوماً في السنة.”

وهذا التفويض التشريعي يمنح رئيس مجلس الوزراء سلطة تنظيمية تقديرية لإضافة أو تعديل الإجازات الرسمية، بما يحقق الصالح العام، دون الحاجة إلى تدخل تشريعي جديد.

ويشهد التاريخ الإداري المصري على مرونة الدولة في الاستجابة لمتطلبات الوحدة الوطنية، ومن أبرز الأمثلة:
- صدور قرار في عام 2003 باعتبار عيد الميلاد المجيد (7 يناير) إجازة رسمية مدفوعة الأجر لكافة المصريين، وهو ما شكّل سابقة مهمة في توحيد المناسبات ذات الطابع الديني في إطار وطني جامع.

- صدور عدد من القرارات التنظيمية التاريخية، منها:
قرار رئيس الوزراء الصادر في 1 يوليو 1953
قرار رئيس الجمهورية رقم 2362 لسنة 1967
    القوانين المنظمة للعاملين بالدولة والقطاع العام وقطاع الأعمال العام.

وجميعها أقرت—صراحة أو ضمناً—أهمية الأعياد الدينية في تنظيم علاقة العمل، مع ترك مساحة للتطوير وفق مقتضيات الواقع.

واستقرت أحكام محكمة النقض على مبدأ بالغ الأهمية، مؤداه:
“لا يمتنع على صاحب العمل أن يمنح عماله إجازات بأجر لمناسبات أخرى بالإضافة إلى تلك التي نص عليها القانون، فإذا جرى العرف على منح هذه الإجازات واتسم بالعمومية والاستمرار، أصبح التزامًا واجب التنفيذ.”

وهذا الاتجاه القضائي يُضفي على العرف الاجتماعي—الممتد تاريخياً في مصر منذ عقود—قوة ملزمة، خاصة فيما يتعلق بالأعياد الدينية للمسيحيين، التي جرى الاحتفال بها ومنح إجازات بشأنها في نطاقات متعددة.

إن إقرار عيد القيامة المجيد كإجازة رسمية عامة لا يُعد بأي حال من الأحوال إقرارًا دينيًا من الدولة، ولا يحمل أبعادًا عقائدية أو سياسية، بل هو إجراء تنظيمي يعكس:

١- احترام التنوع الديني داخل المجتمع.
٢- تعزيز الشعور بالمواطنة الكاملة.
٣-     ترسيخ قيم المشاركة الوجدانية بين أبناء الوطن الواحد.
٤- دعم الاستقرار المجتمعي والتلاحم الوطني.
وهو ذات النهج الذي انتهجته الدولة عند إقرار إجازة عيد الميلاد المجيد.

لذلك، وانطلاقًا من أحكام الدستور، ونصوص القانون، وما استقر عليه القضاء، ومتطلبات الواقع الاجتماعي، فإننا نهيب برئيس مجلس الوزراء إصدار قرار باعتبار عيد القيامة المجيد إجازة رسمية سنوية مدفوعة الأجر لجميع العاملين في الدولة، سواء في الجهاز الإداري أو القطاعين العام والخاص، أسوة بما تم بشأن عيد الميلاد المجيد.

إن هذا القرار لن يكون مجرد تنظيم إداري، بل سيمثل خطوة نوعية جديدة في مسيرة الدولة المصرية نحو ترسيخ دولة المواطنة، وتجسيدًا عمليًا لوحدة الشعب المصري، الذي يظل—على مر العصور—نسيجًا واحدًا لا يتجزأ.

وكل عام والشعب المصري العظيم بخير، متماسكًا بوحدته، قويًا بتنوعه.