بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أحد الشعانين جاءت من كلمة: هُوشعنا، أي خلّصنا من خطايانا، وقد وضع لنا الآباء في القراءات البُولس والكاثُوليكُون والابركسيس، كُل رسالة منها تُقدم لنا شخصية الملك، فما هُو الفادي والمُخلّص؟! 

البُولس يقُول: أما المسيح، وهُو قد جاء رئيس كهنةٍ للخيرات العتيدة، ليس بدم تُيوسٍ وعجولٍ، بل بدم نفسه دخل مرةً واحدةً إلى الأقداس، فوجد فداءً أبدياً، لأنه إن كان دمُ ثيرانٍ وتُيوسٍ ورمادُ عجلةٍ مرشُوشٌ على المُنجسين، يُقدّسُ إلى طهارة الجسد، فكم بالحريّ يكُونُ دمُ المسيح، الذي برُوحٍ أزليّ قدّم نفسه لله بلا عيب، يُطهّر ضمائركُم من أعمالٍ ميتةٍ لتخدمُوا الله الحيّ ... راجع الكتاب (عب11:9-28)..

ونجد في الكاثُوليكُون: فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد تسلّحُوا أنتُم أيضاً بهذه النّية، فإن مَن تألم في الجسد، كُفّ عن الخطية لكي لا يعيش أيضاً الزمان الباقي في الجسد، لشهوات الناس، بل لإرادة الله... وإنما نهاية كُل شيءٍ قد اقتربت، فتعقلُوا واصحُوا للصلُوات، ولكن قبل كُل شيءٍ، لتكُن محبتكُم بعضكُم لبعضٍ شديدة، لأن المحّبة تستر كثرة من الخطايا..  (1بط1:4-11).. 

أما في قراءة الابركسيس: فطفق يشرح لهُم شاهداً بملكُوت الله ومقنعاً إياهُم من نامُوس مُوسى والأنبياء بأمر يسُوع من الصباح إلى المساء، فاقتنع بعضُهُم بما قيل، وبعضهُم لم يُؤمنُوا .. أنه حسناً كلّم الرُوح: ستسمعُون سمعاً ولا تفهمُون، وستنظرُون نظراً ولا تُبصرُون (أع23:28-30).. 
ففي البُولس يقدم لنا الدم: بدُون سفك دمٍ لا تحصل مغفرةٌ.. 

والكاثُوليكُون يُقدم لنا الألم: كيف تألم السيد المسيح لأجلنا..  
والابركسيس يُقدم شخص المسيح مركز، ومحُور الكلمة، وباب النبُوات، 
أما في الأناجيل الأربعة، فهي تُقدم المسيح بأربع صُور وزُوايا..
متى الرسُول كتب لليهُود الذين رفضُوا الإيمان بالمسيح، فالأتان وهُو الحمار المتدرب ويرمز للأمة الإسرائيلية، أما الجحش الذي لم يُستخدم بعد، فيرمز إلى الأمم، والرّب يسُوع دخل بالجحش إلى أورشليم.
مرقس الرسُول كتب للأمم، وقد ركز على أوصانا في الأعالي، مبارك الآتي باسم الرّب، أي أنهُم يشهدُون بالقيامة، وملك الخلاص الذي جاء ليملك بالحُب على القلُوب بعد أن مات من أجلنا (في8:2).. 

قال: فمضيا ووجدا الجحش مربُوطاً عند الباب خارجاً على الطّريق، فحلاّه، أي خارج دائرة الإيمان (رمز للأمم)، (مت2:21؛ مر4:11)، والباب هُو المسيح حيثُ قال:
أنا هُو الباب، إن دخل بي أحدٌ فيخلُص ويدخُل ويخرجُ ويجد مرعى..
أنا هُو الراعي الصّالح، والراعي الصّالح يبذل نفسه عن الخراف..
أنا هُو القيامةُ والحياةُ، مَن آمن بي ولو مات فسيحيا..
أنا هُو الطّريق والحقّ والحياة، ليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلاّ بي..  (يو9:10-11؛ 25:11؛ 6:14)..
الله ينتظر رجوعنا وتوبتنا، ولا يحتمل دموعنا وانسحاقنا..
مُبارك الآتي باسم الرّب، أوصانا في الأعالي..
أنه شعار كُل مُؤمن يُعلن به عن إيمانه، وقبوله دخول يسُوع المُخلّص حياته ليُخلّصها من الأسر والعبودية، ويفتح أمامه طريق السماء، أما أولئك المُعاندون فمدينة حياتهم تصبح خربة وخاوية يعبث بها إبليس كما قال الكتاب هُوذا بيتكُم يُترك لكُم خراباً، لأني أقول لكُم: إنكُم لا ترونني من الآن حتى تقولوا: مُبارك الآتي باسم الرّب (مت39:23)..

أنه شعار الحب والقبول، الذي به ندخل في علاقة حب مع الله، تاركين كُل إثم وخطية، نافضين غبار الأسر والعبودية، رافعين شعار قبولنا للمُخلّص كملك سماوي جاء ليحلنا من قيود الماضي التعيس، الذي كان موضوعاً على أعناقنا شاعرين بالذل والهوان والانكسار..
فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد، تسلّحوا أنتُم أيضاً بهذه النية، فإن مَن تألم في الجسد، كُف عن الخطية، لكي لا يعيش أيضاً الزمان الباقي في الجسد، لشهوات الناس بل لإرادة الله، لأن زمان الحياة الذي مضى يكفينا لنكون قد عملنا إرادة الأمم، سالكين في الدعارة والشهوات، وإدمان الخمر، والبطر، والمنادمات، وعبادة الأوثان المُحرمة، الأمر الذي فيه يستغربون أنكم لستم تركضون معهم إلى فيض هذه الخلاعة عينها، مُجدّفين، الذين سوف يُعطون حساباً للذي هُو على استعداد أن يدين الأحياء والأموات..

أنه شعار قبول الخلاص والسلام، لأورشليم حياتنا التي تهتف قائلة: مُبارك الرّب يوماً فيوماً يحملنا إله خلاصنا، الله لنا إله خلاص، وعند الرّب السيد للموت مخارج، راجع (مز20:68؛ 1بط1:4-5).. 

لقد حقّق السيد ما تنبأ به زكريا قائلاً: ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هُوذا ملكك يأتي إليك هُو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان (زك9:9)..

دخل أورشليم دخول الملوك، وواجه سُلطان الظُلم والهوان بل واجه التسيب والإهمال وعدم الالتزام، وقلب موائد العالم الزائلة مُنتصراً عليها بسلطانه كملك ليُعلن بانتصاره هذا بداية مملكته الأبدية..
هذه المملكة التي تقود البشرية للحياة الأبدية غير مُعتمدة على العالم المادي وموائده، وإنما على قبول الدخُول في مملكة الروح في بيت الصلاة الحقيقي بعيداً عن مغارة اللصوص..

لقد حقق لنا السيد في دخوله أورشليم، النبوات التي تغنى لها الأنبياء أنه هُو بالحقيقة الملك المُنتظر، والمُخلّص الآتي إلى العالم، وبدخوله هذا أصبح عيداً لنا نفرح فيه كما رنم النبيّ قائلاً: انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا، رنموا لله قوتنا، اهتفوا لإله يعقوب، ارفعوا نغمة وهاتوا دُفاً عوداً حلواً مع رباب، راجع (مز81؛ 118)..
لماذا نستقبل الرّب بسعف النخل وأغصان الزيتون؟
سعف النخل هُو قلبه، وهذا القلب هُو الذي نُقدمه لله الذي قال: “يا بني أعطني قلبك” (أم26:23)..
سعف النخل جديد وأبيض، وهما صفتان لازمتان للقلب النقي الذي تجدد في المعمودية..

سعف النخل طري يستسلم لصانعه فيشكله، بهذا يعطينا فكرة عن حياة التسليم في طاعة لله..
سعف النخل يُذكّرنا بالصدّيق كالنخلة يزهو (مز92). الصدّيق تشبه بالنخلة في علوها واتجاهها نحو السماء،
النخلة التي تنمو باستمرار وتمتد إلى فوق، وفي كُل عام يزداد نموها، كدرس في النمو الروحي، وفي نفس الوقت
تمتد جذورها عميقة وقوية لتحتمل كُل هذا الارتفاع..

النخلة تُمثل النسك والاحتمال والرضا.. النخلة كثيرة المنافع، والفوائد للنـــــــــاس.. النخلة ثابتة مهما عصفت بها الريــاح.. نعم قد تهزها الريح إذا كانت قوية، لكنها لا تسقطها لأنها راسخة على الرغم من أنها تبدو نحيلة وهزيلة، وهي تنمو في الصحراء، وتحتمل الحر والعطش، وتترك لفترة طويلة دُون ري، فتبقى وتحتمل..

النخلة هي أشهر نباتات البرية وأقواها، لهذا كانت طعام النساك، تُذكّرنا بالأنبا نفر السائح الذي كان يقتات ببلح النخل في البرية، والأنبا بولا أول السواح الذي كان رداؤه من ليف النخل..
بلحها طعام كغذاء، وسعفها نافع لصنع السلال، وليفها نافع لعمل الحبال، وجريدها نافع لسقوف بيوت الأرياف، وأقلافها نافعة للوقود، وجذوعها كانوا يستخدمونها لدفن الموتى في بعض العصور..
لذلك نقول: الصدّيق نافع من كُل ناحية..

أغصان الزيتون ترمز إلى السلام: 
منذ أن حملت الحمامة ورقة زيتون خضراء لأبينا نُوح (تك11:8)، مبشرة إياه بأن الطوفان قد انتهى، وعادت الأرض مواطناً للسكنى، وهذا يُذكّرنا بأن المسيح كان صانع سلام بين السماء والأرض، واليهود والأمم، راجع (أف14:2)..
أغصان الزيتون تُذكّرنا بزيت الزيتون، رمز الرُوح القُدس، والمسحة المقدسة، فهل أنت في استقبال المسيح في أحد الشعانين ليكون لك سلام معه وتتذكر المسحة حيثُ حل فيك روح الله؟!

الذي يأتي ليدخل مدينة سلامنا أورشليم ليطهرها بدمه، ويُخلّصها من أيدي الأثمة، وعبودية إبليس بعدما باتت تقدم ذبائح وترش دماً لأجل التطهير والخلاص..

جاء المُخلّص بنفسه ليُقدم ذاته عنا، ويمنحنا السلام والخلاص، كما يقول الرسُول بُولس: كُل شيءٍ تقريباً يتطهّر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دمٍ لا تحصُل مغفرةٌ، فكان يلزم أن أمثلة الأشياء التي في السماوات تُطهّر بهذه، وأما السماويات عينها، فبذبائح أفضل من هذه، لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعةٍ بيدٍ أشباه الحقيقة، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا، ولا يُقدم نفسه مراراً كثيرةً، كما يدخل رئيس الكهنة إلى الأقداس كُل سنة بدم آخر، فإذا ذاك كان يجب أن يتألم مراراً كثيرةً مُنذ تأسيس العالم، ولكنه الآن قد أظهر مرةً عند انقضاء الدُهور ليُبطل الخطية بذبيحة نفسه، وكما وُضع للناس أن يموتوا مرةً ثُم بعد ذلك الدّينونة، هكذا المسيح أيضاً، بعدما قُدم مرةً لكي يحمل خطايا كثيرين، سيظهر ثانيةً بلا خطيةٍ للخلاص للذين ينتظرونه (عب22:9-28)..