د. خالد منتصر
الانتصار العلمى الذى حققته مصر، عن طريق جامعة المنصورة وفريق سلام لاب بقيادة د. هشام سلام، وعشنا أصداءه العالمية خلال نهاية الشهر الماضى، البحث الذى نشرته د. شروق الأشقر فى مجلة «ساينس»، وحفرت اسمها فى تاريخ علم الحفريات بين كبار علماء العالم، البحث إنجاز علمى غير مسبوق لمصر، فهو أول دراسة من جامعة مصرية فى مجلة Science العالمية، بهذا البحث أصبحت د.شروق أول باحثة من الشرق الأوسط تصل لهذا المستوى، قدمت الدراسة اكتشاف حفرية من أسلاف القردة العليا شمال إفريقيا أُطلق عليها اسم «مصريبيثيكس»، واستخدمت طرقًا حديثة تجمع بين التحليل الجينى والصفات التشريحية للحفريات، لتحديد مكانها كأقرب الكائنات إلى السلف المشترك لجميع القردة العليا الحية اليوم، لكن الحقيقة عندما نزلت د. شروق لأرض الواقع، وتحدثت عن البحث فى الإعلام، هنا ظهرت الفجوة الرهيبة، فقد تلقى الوعى الجمعى والشعبى للأسف تفاصيل هذا الاكتشاف العظيم، أحياناً بعداء، وأحياناً أخرى باستخفاف، نتيجة مفاهيم مغلوطة عن نظرية التطور، التى لابد من فهمها كحقيقة مهمة لفهم هذا الاكتشاف، ووضعه فى مكانه اللائق من الأهمية والتأثير، تعاطفت مع د شروق وهى تحاول الرد على أسئلة بديهية قد حسمت فى المجتمعات الأكاديمية فى الخارج، أسئلة من إعلاميين فى برامج، وتعليقات على مواقع سوشيال ميديا، أسئلة من قبيل « هل الإنسان قرد؟، ولماذا إذا كان هناك تطور، لماذا إذن ما زالت هناك قرود؟، « وكيف تعتمدون على مجرد نظرية، والنظرية معناها تخمين ضعيف؟…إلى آخر هذا اللغط البيزنطى الفارغ، الذى ينم عن جهل مرعب بالتطور، وبما حدث فى فهمه من تقدم وقفزات ثورية، تجعل داروين نفسه لو عاش بيننا الآن، سيندهش من الإضافات الرهيبة التى أضيفت إلى نظريته، وهذا اللغط والجدل الشبيه بمتاهة جحا، لم يكن فى الحوارات مع د شروق أو د. هشام سلام، وإنما مع كل شخص يتحدث عن التطور بشكل علمى، أو خبير تعليمى يقترح إضافتها لمنهج البيولوجى فى الثانوية العامة، حتى نصبح مجتمعاً متسقاً علمياً، ولانقع فى هذا الوضع مرة أخرى، وضع التوهج واللمعان الأكاديمى فى العالم، واحتفاؤه بعلمائنا، مقابل عدم فهم أو مقاومة أو هجوم من البعض، وأحياناً تكفير!، فى كل مرة تُطرح فيها نظرية التطور فى نقاش عام، لا تُقابل أبداً بأسئلة علمية لها قيمة، بل بحائط نفسى وثقافى ودينى كثيف وصلب.
المشكلة ليست فى النظرية نفسها، بل فى «صورتها المشوهة» داخل هذا الوعى الجمعى الذى تم تزييفه، بواسطة أناس معادين للعلم أساساً، لذلك فإن أول خطوة نحو مصالحة الجمهور مع النظرية، البداية ضرورية بتفكيك هذه المغالطات، أولى هذه المغالطات هى الاعتقاد بأن الإنسان «أصله قرد»، هذا تبسيط مخلّ؛ فالعلم لا يقول إن الإنسان انحدر من القردة الحالية، بل يشير إلى وجود سلف مشترك عاش قبل ملايين السنين، تفرعت منه سلالات متعددة، منها القردة الحديثة والإنسان، المغالطة هنا تشبه القول إنك «ابن عمك»، بينما الحقيقة أنكما تنحدران من جد مشترك، ثانياً: يظن البعض أن التطور «مجرد نظرية» بمعنى التخمين، بينما فى العلم كلمة «نظرية» تعنى إطارًا تفسيريًا مدعومًا بأدلة ضخمة من مجالات متعددة، الحفريات، علم الوراثة، التشريح المقارن، وحتى البيولوجيا الجزيئية، فالجاذبية على سبيل المثال هى نظرية أيضاً وليست رأياً عابراً، ثالثًا، هناك خلط بين التطور والإلحاد، وكأن قبول التطور يعنى بالضرورة إنكار وجود الله، هذا الربط المتعسف ليس علميًا بل أيديولوجى، كثير من العلماء والمؤمنين يرون أن التطور يمكن أن يكون «أداة الخلق» وليس نقيضًا له، الصراع هنا ليس بين العلم والدين، بل بين قراءات مختلفة للنصوص الدينية، وقد حاول رجال دين محاولات توفيقية ولكنهم هوجموا بشكل رهيب، يُشاع أيضاً أن التطور ينفى الغاية أو المعنى، وأنه يحول الإنسان إلى كائن بلا قيمة، لكن هذا فهم فلسفى زائد على العلم نفسه.
التطور يفسر «كيف» تنشأ الكائنات وتتغير، لكنه لا يجيب عن «لماذا» الوجود أو معناه، فهذا سؤال فلسفى وليس بيولوجياً، والخلط بين المستويين هو ما يخلق التوتر، ولحدوث التصالح لابد من إفهام الناس أن العلم لا يسعى لهدم الإيمان بل لفهم الطبيعة، وأن نقدم أمثلة بسيطة من الحياة اليومية: مثل مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، أو تغير الفيروسات.
هذه ليست «نظرية بعيدة»، بل تطور يحدث أمام أعيننا، عندما يرى الناس التطبيق العملى، ومعرف أن التطور وفهمه يخدمهم، والأمثلة كثيرة، دراسة الجينات التى تطورت عبر الزمن والتى تساعد فى فهم أصل الأمراض الوراثية، وتحليل الطفرات الجينية التى تسبب أمراضًا معينة، مثل مرض فقر الدم المنجلى، الذى ارتبط بالتكيف ضد الملاريا، التغير الجينى فى الفيروسات والبكتيريا والذى يتم فهمه من خلال مبادئ التطور، مما يساعد فى تطوير لقاحات أكثر فاعلية، مثل لقاحات الإنفلونزا التى يتم تحديثها سنويًا بناءً على الطفرات الجديدة فى الفيروس، السرطان نفسه صار يُفهم كعملية تطورية حيث تخضع الخلايا لطفرات وانتقاء طبيعى يؤدى إلى نمو الخلايا غير المنضبط، وتُستخدم نظريات التطور لتطوير علاجات تستهدف مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وأيضاً دراسة تطور مسببات الأمراض الذى يساعد فى التنبؤ بتفشى الأوبئة، وفهم ديناميكيات التطور يساعد فى تحسين الاستجابة لتفشى الأمراض (مثل فيروس كورونا)، يبقى فتح باب التأويل الدينى المرن، وتجديد الفكر الدينى، وسنجد أن المشكلة ليست فى الدين ذاته، ليست فى قواعده العامة، بل فى القراءة الجامدة التى ترفض أى معرفة جديدة، أو إضافة مختلفة تعترف بتغير الزمن، هكذا نتصالح مع التطور.
نقلا عن الاهرام





