أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بِطْرُسُ
لَيْسَتْ آلَامُ الرَّبِّ يسوع المسيح مُجَرَّدَ سِلْسِلَةِ أَحْدَاثٍ مُؤْلِمَةٍ فِي التَّارِيخِ، بَلْ هِيَ رِحْلَةُ حُبٍّ إِلَهِيٍّ اخْتَارَ بِمِلْءِ حُرِّيَّتِهِ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى أَعْمَاقِ أَلَمِ الإِنْسَانِ لِيُخَلِّصَهُ مِنْ دَاخِلِهِ. فَهُوَ لَمْ يُسَاقْ إِلَى الصَّلِيبِ كَمَجْبُورٍ، وَلَمْ يَكُنْ ضَحِيَّةَ قُوًى أَكْبَرَ مِنْهُ، بَلْ أَعْلَنَ بِوُضُوحٍ: «لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي» (يُوحَنَّا ١٠: ١٨). هُنَا يَبْدَأُ سِرُّ الخَلاَصِ: إِنَّهُ اخْتِيَارُ حُبٍّ، لَا فَرْضُ أَلَمٍ.
مِنْ لَحْظَةِ دُخُولِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي أُحُدِ الشَّعَانِينِ، كَانَ الطَّرِيقُ مَرْسُومًا أَمَامَهُ. دَخَلَ كَمَلِكٍ وَدِيعٍ، لَا يَحْمِلُ سَيْفًا بَلْ قَلْبًا مُنْكَسِرًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الهُتَافَ سَيَتَحَوَّلُ إِلَى صَلْبٍ، وَأَنَّ «أُوصَنَّا» سَتَصِيرُ «اصْلِبْهُ». وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَرَاجَعْ، بَلْ «أَقَامَ وَجْهَهُ لِيَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ» (لُوقَا ٩: ٥١)، لِأَنَّهُ جَاءَ لِيَحْمِلَ خَطِيَّةَ العَالَمِ، وَلِيُتِمَّ مَشِيئَةَ الآبِ بِكَامِلِ الحُرِّيَّةِ وَالطَّاعَةِ.
وَفِي العَشَاءِ الأَخِيرِ، لَمْ يَكُنْ يُوَدِّعُ تَلاَمِيذَهُ فَقَطْ، بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ ذَاتَهُ قُرْبَانًا: «هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ» (لُوقَا ٢٢: ١٩). لَمْ يَقُلْ «سَيُؤْخَذُ»، بَلْ «يُبْذَلُ»، لِيُعْلِنَ أَنَّ الصَّلِيبَ قَرَارُ حُبٍّ. وَإِذْ غَسَلَ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ، أَظْهَرَ أَنَّ طَرِيقَ المَجْدِ يَمُرُّ مِنْ خِدْمَةٍ مُتَّضِعَةٍ، وَأَنَّ الإِلَهَ الحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي يَنْحَنِي لِيَرْفَعَ الإِنْسَانَ.
ثُمَّ يَدْخُلُ إِلَى جُثْسَيْمَانِي، إِلَى «مَعْصَرَةِ الزَّيْتِ»، حَيْثُ يَنْكَشِفُ أَعْمَقُ بُعْدٍ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ. هُنَا لَا نَرَى أَلَمًا جَسَدِيًّا فَقَطْ، بَلْ صِرَاعَ الإِرَادَةِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي المَسِيحِ، حِينَ يَقُولُ: «يَا أَبَتَاهُ… لِتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الكَأْسُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ» (مَتَّى ٢٦: ٣٩). لَيْسَ هُنَا ضَعْفٌ، بَلْ قِمَّةُ القُوَّةِ، حَيْثُ تَنْتَصِرُ الطَّاعَةُ عَلَى الخَوْفِ، وَالحُبُّ عَلَى الأَلَمِ.
وَفِي هَذِهِ «المَعْصَرَةِ» الرُّوحِيَّةِ، تَنْكَشِفُ أَيْضًا قِصَّةُ الإِنْسَانِ كُلِّهَا. فَشَجَرَةُ التِّينِ تُذَكِّرُنَا بِالإِنْسَانِ الَّذِي حَاوَلَ أَنْ يُخْفِيَ عُرْيَهُ بِأَوْرَاقٍ: «خَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ» (تَكْوِين ٣: ٧). وَمَا زَالَ الإِنْسَانُ إِلَى اليَوْمِ يَخْتَبِئُ وَرَاءَ مَظَاهِرِهِ وَأَعْذَارِهِ، ظَانًّا أَنَّهُ يُخَلِّصُ نَفْسَهُ، لَكِنَّ كُلَّ هَذَا لَيْسَ إِلَّا وَرَقًا بِلاَ ثَمَرٍ. لِذَلِكَ أَعْلَنَ المَسِيحُ حَقِيقَةَ هَذَا الوَهْمِ حِينَ قَالَ: «لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ إِلَى الأَبَدِ» (مَتَّى ٢١: ١٩)، لِيُظْهِرَ أَنَّ الحَيَاةَ الظَّاهِرِيَّةَ لَا تُخَلِّصُ.
أَمَّا هُوَ، فَهُوَ «الكَرْمَةُ الحَقِيقِيَّةُ» (يُوحَنَّا ١٥: ١)، الَّذِي دَخَلَ المَعْصَرَةَ بِإِرَادَتِهِ، وَلَمْ يَخْتَبِئْ مِنَ الأَلَمِ، بَلْ قَبِلَ أَنْ يُعْصَرَ حُبًّا، لِيَخْرُجَ مِنْهُ دَمُ الخَلاَصِ: «هَذَا هُوَ دَمِي… لِمَغْفِرَةِ الخَطَايَا» (مَتَّى ٢٦: ٢٨). وَهُنَا تَتَحَدَّدُ نُقْطَةُ التَّحَوُّلِ: إِمَّا أَنْ يَبْقَى الإِنْسَانُ فِي وَرَقِ التِّينِ، أَوْ يَدْخُلَ فِي حَيَاةِ الكَرْمَةِ.
وَعِنْدَمَا جَاءُوا لِلْقَبْضِ عَلَيْهِ، أَظْهَرَ سُلْطَانَهُ حِينَ قَالَ: «أَنَا هُوَ» (يُوحَنَّا ١٨: ٥)، فَرَجَعُوا وَسَقَطُوا، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ قُوَّتَهُ لِيَهْرُبَ، بَلْ قَالَ لِـ بطرس الرسول: «أَتَظُنُّ أَنِّي لا أَسْتَطِيعُ…؟» (مَتَّى ٢٦: ٥٣)، ثُمَّ سَلَّمَ نَفْسَهُ بِإِرَادَتِهِ. فَهُوَ القَادِرُ، لَكِنَّهُ يَخْتَارُ أَنْ يُقْبَضَ عَلَيْهِ، لأَنَّ الحُبَّ الحَقِيقِيَّ يَبْذُلُ نَفْسَهُ.
وَأَمَامَ بيلاطس البنطي، وَقَفَ صَامِتًا، «كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ» (إِشَعْيَاء ٥٣: ٧)، لَيْسَ عَجْزًا، بَلْ قَبُولًا إِرَادِيًّا لِطَرِيقِ الفِدَاءِ. وَعَلَى الصَّلِيبِ، بَلَغَ الحُبُّ ذِرْوَتَهُ، حِينَ قَالَ: «يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ» (لُوقَا ٢٣: ٣٤)، وَأَعْلَنَ: «قَدْ أُكْمِلَ» (يُوحَنَّا ١٩: ٣٠). هُنَا لَيْسَتِ النِّهَايَةُ، بَلْ الاكْتِمَالُ، حَيْثُ تَمَّ الخَلاَصُ، وَانْكَسَرَ سُلْطَانُ الخَطِيَّةِ.
وَحِينَ «أَسْلَمَ الرُّوحَ» (يُوحَنَّا ١٩: ٣٠)، لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا، بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ ذَاتَهُ بِإِرَادَتِهِ، لِيَدْخُلَ إِلَى عُمْقِ المَوْتِ وَيُحَوِّلَهُ إِلَى طَرِيقِ حَيَاةٍ. وَفِي الفَجْرِ، جَاءَ الجَوَابُ الإِلَهِيُّ: «لَيْسَ ههُنَا، لَكِنَّهُ قَامَ» (لُوقَا ٢٤: ٦). فَالقِيَامَةُ هِيَ خَتْمُ الآبِ عَلَى طَاعَةِ الابْنِ، وَإِعْلَانُ انْتِصَارِ الحَيَاةِ عَلَى المَوْتِ.
إِنَّ أَعْمَقَ مَا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ أَنَّ المَسِيحَ اخْتَارَ أَنْ يُحِبَّ حَتَّى المُنْتَهَى: «إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ… أَحَبَّهُمْ إِلَى المُنْتَهَى» (يُوحَنَّا ١٣: ١). وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ دَعْوَتَنَا لَيْسَتْ أَنْ نُعْجَبَ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَقَطْ، بَلْ أَنْ نَدْخُلَ فِيهَا: أَنْ نَتْرُكَ أَوْرَاقَنَا، أَنْ نَتُوبَ عَنْ أَوْهَامِنَا، أَنْ نَثْبُتَ فِي الكَرْمَةِ، وَأَنْ نَحْيَا حَيَاةً جَدِيدَةً.
فَالإِنْسَانُ لَا يُخَلِّصُ نَفْسَهُ، بَلِ اللهُ يُخَلِّصُهُ، وَالمَسِيحُ اخْتَارَ المَعْصَرَةَ لِيَجْعَلَ مِنْهَا طَرِيقَ قِيَامَةٍ. وَهَكَذَا، لَا يَعُودُ الأَلَمُ نِهَايَةً، بَلْ بَدَايَةُ خَلاَصٍ، وَلَا يَعُودُ الصَّلِيبُ عَارًا، بَلْ مَجْدًا، وَلَا يَعُودُ المَوْتُ هَزِيمَةً، بَلْ عُبُورًا إِلَى الحَيَاةِ.
المَسِيحُ قَامَ… حَقًّا قَامَ… وَنَحْنُ شُهُودٌ عَلَى ذَلِكَ.
✍️
أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بِطْرُسُ





