د. منى نوال حلمى

أبريل ٢٠٢٦، هو الميلاد الثالث والستون بعد المائة، والرحيل الثالث والتسعون لواحد من أعظم الشعراء، شاعر اليونان ومصر.. قسطنطين كفافيس

٢٩ أبريل ١٨٦٣ – ٢٩ أبريل ١٩٣٣. وُلد فى الإسكندرية، واستقر بها آخر ٢٥ سنة من حياته.

 
تمتزج فى جيناته عبق مصر، وسحر الإسكندرية، وحكمة اليونان التى تسللت إليه من الأب بيتر، والأم هارليشليا، التى أغدقت عليه الحب، والدلال.
 
 
قسطنطين كفافيس، ذلك الشاعر الخجول ذو المزاج الغريب، والوجدان اللامنتمى، الممزق بين شهوة الجسد وإغراء الكتب، ذو الحس المرهف – وهو لا يزال شابًا – لـ مشاعر العجائز، والتكرار.
 
شاعر يرتشف معى الضجر والرتابة، والتشابه.
 
كتب كفافيس: اليوم الرتيب يأتى فى أعقاب يوم رتيب آخر/ الأمور ذاتها ستحدث/ ثم ستحدث من جديد/ اللحظات المتشابهة تمر بنا وتمضى/ شهر يمر ويأتى بشهر آخر/ تلك الأمور القادمة يمكن للمرء أن يخمنها/ أحداث الأمس المملة.
 
 
فى قصيدته «شموع»، يكشف كفافيس عن علاقته المربكة المريبة بالزمن: أيام الغد تقف أمامنا
 
مثل صف من الشموع الصغيرة الموقدة
 
شموع صغيرة ذهبية حارة/ ومفعمة بالحياة/ الأيام الماضيات تبقى فى الخلف خطًا/ حزينًا من الشموع المطفأة/ وأقربها مازال الدخان ينبعث منها/ شموع باردة.. ذائبة.. محنية/ لا أريد أن ألتفت ورائى/ خشية أن أبصرها فيتملكنى الرعب/ وأنا أرى الخط المظلم يمعن فى الطول/ والشموع المطفأة سرعان ما تتزايد
 
 
إن وصف كفافيس للشموع المطفأة حديثًا، بأنها باردة، ذائبة، ومحنية وبهذا الترتيب المتتالى، يلخص فى بلاغة شديدة، وأسى، أشد، إحساسه المرهف تجاه دورة الزمن. فهى أولًا، باردة، والبرودة، معناها أنها غير مبالية بمصير الإنسان ومشاعره. وهى ذائبة. والذوبان، يوحى بأن هذا هو مصيرها الطبيعى المنتظر، غير قابل للتبدل أو الرجوع. وهى محنية. والانحناء يقول، إنها هى الأخرى مستسلمة، لا تملك أمام القدر شيئًا. فهى كالإنسان ضحية مثله، وإن اعتبرها الجانية. وقد نجد فى الانحناء أيضًا، معنى من معانى التعاطف مع الإنسان.
 
حتى فى لحظات الحب، لم يكن كفافيس فى مأمن من حصار الزمن، ومرارة الإحساس بالفقدان. فها هو يقول:
 
ضاع الحب/ والآن على شفتى كل غريب/ يبحث عن شفتى ذلك الحبيب/ وفى كل حضن جديد/ تخدع النفس نفسها بأنها/ فى أحضان الحبيب الأول
 
 
كان لكفافيس طريقته الخاصة فى تجسيد موقفه العدائى من الشهرة. ألا وهى – ببساطة – عدم السعى إلى نشر أشعاره. فكان يكتب قصائده، ويكتفى بأن يوزعها على أصدقائه. فالشهرة لديه وهم، ومفسدة، وتضييع للوقت.
 
ويبدو أن كفافيس، قد كره كل أنواع الأضواء، سواء تلك من صنع المصابيح، أو تلك من صنع البشر. لقد أحب الأضواء الخافتة طوال حياته، وعشق ضوء الشموع الهادئ.
 
 
حقق كفافيس إلى درجة مدهشة، التلاحم الحميم بين ذاته، وبين قصائده، أن تكون «الأنا» هى «موضوع» الكاتب، بحيث تصبح الكتابة هى ذات الكاتب. فهى – أى الكتابة – عناق حميم جمالى بين كل ما يعبر عن طريقة الكاتب فى تذوق العالم. ولأنها عناق، فإن هناك علاقة «لذة» و«سعادة» و«انتشاء»، تربط الأديب بأدبه. وهذا يجعل الكتابة فعل اشتياق، وفعل تحرر. اشتياق للذات، وتحرر لها.
 
من هذا المنطلق، أتوج كفافيس، شاعرًا وجوديًا حقًا. حيث نستشف من بين سطوره مقولة كيركجارد – أبو الوجودية – ١٨١٣ - ١٨٥٥ «الحقيقة هى الذات». فى كل قصائد كفافيس بدون استثناء، لا نملك إلا الإحساس، بأن ما تسمى حقائق العالم الخارجى، تصبح عديمة الجدوى، إذا لم تبدأ أو تقترن بمعرفة الإنسان لذاته. وأن أقوى الحقائق العلمية أو التاريخية. اختار كفافيس حياة الهدوء والعزلة. ومنحنا «كلمة السِر»:
 
لو لم يكن بإمكانك أن تصنع حياتك كما تريد
 
فعلى الأقل حاول ما استطعت أن تفعل هذا....
 
لا ترخص من شأنها بكثرة الاحتكاك بالناس
 
وبالإفراط فى حركاتك وكلماتك
 
 
فى ١٦ نوفمبر ١٩٩٢، تم افتتاح متحف كفافيس، فى العنوان نفسه الذى أقام به فى
 
الإسكندرية، وهو ٤ شارع كفافيس، أو شارع لبسيوس سابقًا، محطة الرمل، ويضم صورًا، ومخطوطات، ورسائل وقصائد، بخط يده، ومتنوعات مما كُتِب عنه. ويوجد مكتب كان مخصصًا لإقامة الكاتب وصديقه المقرب، سترا تيس تسركاس.
 
أتمنى أن تحتفى مصر، بالشخصيات المبدعة فى الآداب والفنون، بإنشاء هذه المتاحف، التى تحمل عطر الوفاء، ومسئولية إيصاله عبر الأجيال.
 
من قصائد كفافيس التى أحبها.. قصيدة النوافذ:
 
 
فى هذه الغرف المظلمة/ أمضيت أيامًا خائفة/ أدور وأدور بلا جدوى/ بحثًا عن النوافذ/ فوجود نافذة مفتوحة/ يشعر المرء بالعزاء/ ولكن ليس هناك أى نافذة/ أو لأننى لا أستطيع أن أجد واحدة/ ربما يصبح الضوء طاغية آخر/ من يدرى ما الذى سيجلبه معه.
 
 
خِتامه شِعر
 
سأحبك../ ولو كان حبك/آخر شيء أفعله/على هذا الكوكب المحترق/المتعجل.. المتوتر.. المتعجرف
 
سأحبك/ولو كان حبك/ آخر قصيدة أقطف من ثمارها/وآخر قُبلة تطعمنى من نارها/سأحبك/ولو كان حبك/أسرع قطار إلى نقطة الصفر/أو طريقًا مختصرًا/إلى الفناء/سأحبك/حتى لو كان حبك/طقوسًا عبثية/مرضًا على مهل يقتلنى/ليس منه شفاء.
 نقلا عن المصرى اليوم