د.ماجد عزت إسرائيل

  يُعد يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة من أكثر أيام أسبوع الآلام امتلاءً بالتعليم والإنذار الروحي، إذ يكشف فيه السيد المسيح لتلاميذه، ولجموع الشعب، كما لخصومه أيضًا، عن حقائق جوهرية تتعلق بالإيمان، والقيامة، والدينونة، والاستعداد للمجيء الآتي. وفي هذا اليوم يتدرج المشهد من العلامة الرمزية الظاهرة في التينة اليابسة، إلى التعليم العلني في الهيكل، ثم إلى المواجهة المباشرة مع الفريسيين والصدوقيين والهيرودسيين، وصولًا إلى الإعلان الصريح باقتراب الصليب.
 
فبدأ هذا اليوم بمرور السيد المسيح على شجرة التين التي كان قد لعنها في اليوم السابق، فإذا بها قد يبست من الأصول، الأمر الذي أثار انتباه التلاميذ، ولا سيما بطرس، الذي قال له: "يَا سَيِّدُ، انْظُرِ التِّينَةَ الَّتِي لَعَنْتَهَا قَدْ يَبِسَتْ." فجاء جواب الرب جامعًا بين الإيمان والسلطان الروحي: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِاللهِ." (مر 11: 22). ولا تقف دلالة هذا المشهد عند حدود المعجزة، بل تحمل معنى رمزيًا عميقًا، إذ تمثل التينة اليابسة صورة للدين الشكلي الذي يملك المظهر دون الثمر، ويحتفظ بالأوراق فيما يخلو من الحياة الداخلية.
 
  وبعد هذا المشهد، قضى السيد المسيح بقية النهار في الهيكل، يعلّم ويجاوب ويرد على الأسئلة التي وُجهت إليه بمكر. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفريسيين والصدوقيين مثّلوا تيارين دينيين بارزين في المجتمع اليهودي، بينما مثّل الهيرودسيون تيارًا سياسيًا مؤيدًا لبيت هيرودس. ومن ثم، فإن المواجهة في هذا اليوم لم تكن مع جماعة واحدة، بل مع أطراف متعددة، دينية وسياسية، التقت جميعها في محاولة إحراج المسيح أو اصطياده بكلمة. فقد حاول الفريسيون والهيرودسيون أن يصطادوه بكلمة حين سألوه عن جواز إعطاء الجزية لقيصر، كما ورد: "حِينَئِذٍ ذَهَبَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ... فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ»." (مت 22: 15-22). ويكشف هذا الموقف عن حكمة المسيح الفائقة، إذ أبطل فخهم دون أن يدخل في صدام سياسي مباشر، مثبتًا في الوقت ذاته التمييز بين الواجبات الزمنية وما يخص الله.
 
 ثم جاء الصدوقيون، وهم المنكرون للقيامة، ليسألوه بسؤال ظنوا أنه يكشف ضعف الإيمان بالحياة الآتية، فإذا به يحول سؤالهم إلى إعلان لاهوتي حاسم عن القيامة، قائلًا: "تَضِلُّونَ إِذْ لَا تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلَا قُوَّةَ اللهِ... لَيْسَ اللهُ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهَ أَحْيَاءٍ." (مت 22: 23-33).
 
وهنا يظهر أن تعليم هذا اليوم لم يكن مجرد ردود دفاعية، بل كان كشفًا لحقيقة الملكوت، وتصحيحًا لمفاهيم دينية منحرفة، وإعلانًا لسلطان المسيح في التفسير والتعليم.ويتضح من مجمل أحاديث هذا اليوم أن تركيز الرب كان منصبًا بدرجة كبيرة على موضوع الدينونة والاستعداد للمجيء، وهو ما يظهر من خلال الأمثال التي طرحها، مثل مثل الكرامين الأشرار، حيث يقول: "إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ."
 
(مت 21: 33-46). فالمثل لا يقتصر على كشف خطية قادة اليهود في رفضهم للمرسلين، بل يبلغ ذروته في إعلان رفض الابن نفسه، أي المسيح، وما يترتب على هذا الرفض من دينونة ونقل الامتياز إلى من يعمل الأثمار.
 
  كما يبرز مثل عرس ابن الملك ضمن الإطار نفسه، حيث يكشف أن الدعوة إلى الملكوت مفتوحة، لكنها تقتضي استجابة حقيقية واستعدادًا لائقًا. وفي ختام المثل يرد القول الحاسم: "لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ." (مت 22: 1-14).
 
ومن ثم، فإن تعليم هذا اليوم لا يقتصر على فضح مقاومة الخصوم، بل يتجه أيضًا إلى فحص موقف السامعين أنفسهم: هل يكتفون بسماع الدعوة، أم يدخلون فعلًا في حياة الملكوت؟ وبعد هذا اليوم الحافل بالتعليم والمواجهة، مضى السيد المسيح إلى بيت عنيا.
 
وهناك يربط إنجيل متى بين اكتمال أقوال المسيح وبين إعلانه الواضح لتلاميذه بقرب الآلام، إذ يقول: "وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هَذِهِ الأَقْوَالَ كُلَّهَا قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ»." (مت 26: 1-2). وهنا ينتقل النص من التعليم العلني إلى الإعلان المباشر عن قرب الصليب، في تداخل واضح بين التاريخ الخلاصي والإرادة الإلهية.
 
  وفي الوقت نفسه، كان رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب يجتمعون في دار رئيس الكهنة قيافا، كما يذكر متى: "وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يُمْسِكُوا يَسُوعَ بِمَكْرٍ وَيَقْتُلُوهُ." (مت 26: 3-5).
 
وهكذا يتوازى تعليم المسيح عن الدينونة والحق مع تصاعد مؤامرة القتل ضده، بما يكشف حدة المفارقة بين نور الحق الذي يعلنه، وظلمة القلوب التي تصر على مقاومته. وفي بيت عنيا أيضًا يذكر الإنجيلي متى حادثة سكب الطيب في بيت سمعان الأبرص، حين "تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، فَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ" (مت 26: 6-13).
 
ويأخذ هذا الحدث بُعدًا خاصًا في سياق هذا اليوم، لأنه يكشف في مقابل المكر والخيانة صورة أخرى هي صورة المحبة والبذل والإدراك الروحي. فالمرأة، في فعلها، بدت وكأنها تستبق لحظة الدفن، بينما عجز كثيرون عن إدراك عمق اللحظة الخلاصية.
 
ومن هنا تأتي كلمات المسيح: "فَإِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هذَا الطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي." (مت 26: 12). ثم يختتم المشهد ببدء تحرك يهوذا الإسخريوطي نحو الخيانة: "حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ... وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ." (مت 26: 14-16).
 
وبهذا تتجمع في يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة خيوط عدة: الإيمان مقابل العقم، والحكمة مقابل المكر، والرجاء في القيامة مقابل إنكارها، والدعوة إلى الملكوت مقابل رفضها، والحب السخي مقابل الخيانة، وأخيرًا الإعلان الصريح عن الصليب. 
 
وهكذا، فإن هذا اليوم المبارك لا يُقرأ بوصفه مجرد يوم حافل بالأحداث، بل باعتباره يوم كشف روحي عميق. ففيه يعلن المسيح حقيقة الإيمان الحي، ويفضح زيف التدين الفارغ، ويدعو إلى السهر والاستعداد، ويُظهر أن طريق الصليب لم يكن حادثًا مفاجئًا، بل مسارًا معلومًا ومقصودًا داخل التدبير الإلهي. ومن هنا، تبقى قراءات يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة دعوة متجددة إلى فحص القلب، والثبات في الإيمان، والاستعداد الحقيقي للقاء الرب.