الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
(من وحي التعليم الاجتماعيّ للكنيسة الكاثوليكيّة)
المرحلة الثانية: يسوع يحمل الصليب
«فحمل صليبه وخرج إلى الموضع الذي يُقال له موضع الجمجمة» (يوحنّا ١٩: ١٧)
الموضوع: العمل من أجل الإنسان، وخطيئة العالم الاجتماعيّة التي تُحوِّل العمل إلى صليب
(رسالة العمل البشريّ، البابا يوحنّا بولس الثاني
التأمّل: في حمل يسوع صليبه حمل أيضًا ثِقَل عالمٍ أفسد معنى العمل وجرّد الإنسان من كرامته. إنّه يحمل على كتفيه خطيئة العالم حين تتحوّل إلى هيكليّة، وإلى نظامٍ يفرض على الإنسان أن يدفع ثمن ما لم يختره.
فالعمل، الذي خُلق ليكون مشاركةً في الخلق وتحقيقًا للإنسان، قد صار في كثير من الأحيان صليبًا. ليس الموضوع متعلّثًا بالتعب العاديّ الملازم لكلّ جهدٍ بشريّ، ولكن يضاف إليه مأساة أنّ الظلم دخل إلى بنية العمل نفسها. وهنا تكشف تعاليم الكنيسة هذا الجرح بوضوح، إذ يؤكّد القدّيس يوحنّا بولس الثاني في رسالته البابويّة "العمل البشريّ" أنّ العمل يحمل «مقياسًا دائمًا من التعب والمعاناة»، ولكنّه يضيف أيضًا أنّ «الأذى والظلم يتغلغلان عميقًا في الحياة الاجتماعيّة».
إنّ الصليب الذي يحمله يسوع هو أيضًا:
صليب العامل الذي يُستنزف من دون عدالة
صليب المرأة التي تعمل ولا يُعترف بعملها
صليب الفقير الذي يُطلب منه أن يحتمل ما لم يصنعه
صليب الإنسان الذي يُعامَل «كأداةٍ للإنتاج» لا غاية
وهنا تظهر خطيئة العالم الاجتماعيّة في أوضح صورها:
حين يُقلب ترتيب الخليقة، فيُصبح الإنسان خادمًا للعمل، بدل أن يكون العمل في خدمة الإنسان. ولهذا تذكّر الكنيسة بحزم: «العمل هو من أجل الإنسان، وليس الإنسان من أجل العمل».
يسوع هنا يحمل الظلم لكي يفضحه. وإذ لا يقبله… يكشف أنّه خطيئة. ومن هنا، فإنّ حمل الصليب لا يدعونا إلى تمجيد الألم، بل إلى كشف أسبابه وفضحها.
فلا تبرير للبؤس، فالصليب دعوةٌ لمقاومته. لا يدعو الصليب إلى الصمت، بل إلى سؤالٍ لا يمكن لأحد أن يخرسه: مَن الذي جعل من العمل صليبًا؟ وأي نظم بنويّة مؤسّسيّة لم تزل تضعه على أكتاف الآخرين؟
---
صلاة
يا يسوع،
يا من حملتَ صليب عالمٍ لم يرحم الإنسان، افتح أعيننا لنرى الظلم حيث اعتدنا عليه، ولا تسمح أن نسمّي القهر "نظامًا"، ولا الاستغلال "ضرورة". امنحنا شجاعة أن نرفض كلّ عملٍ يسحق الإنسان، وكلّ نظامٍ يبيع كرامته التي لا ثمن لها.
علّمنا ألّا نحمل الصليب بصمتٍ مزيّف، بل بوعيٍ يُحرّر،
وإيمانٍ يُقاوِم، ومحبّةٍ تغيّر هذا العالم. آمين.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





