منير فخري عبدالنور
ليست هذه مجرد أزمة عابرة فى أسعار النفط، ولا اضطرابًا مؤقتًا فى الأسواق العالمية. فما تواجهه مصر اليوم هو اختبار حقيقى لصلابة نموذجها الاقتصادى فى لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تتقاطع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مع هشاشة كامنة فى بنية الاقتصاد المصرى.
فجأة، ترتفع فاتورة الطاقة، يتسع عجز الميزان التجارى، يتعرض الجنيه لضغوط، تتآكل القدرة الشرائية، وتتراجع مصادر النقد الأجنبى فى آن واحد: قناة السويس، السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج. إنها الصدمة المركبة التى تضرب فى قلب الاقتصاد، لا فى أطرافه.
ويظل التحدى الأكبر ليس فى حجم الصدمة، بل فى كيفية التعامل معها. ولى فى هذا الشأن ثمانى ملاحظات
أولاً: ضرورة إدارة الأزمة بسرعة وكفاءة
يقينى أن فى مثل هذه اللحظات لا يصلح التفكير التقليدى، ولا يجوز التعامل مع الاقتصاد وكأن الأمور تسير فى مسارها الطبيعى لأننا أمام ظرف استثنائى يتطلب إدارة يومية للأزمة، لا مجرد سياسات عامة.
وأعتقد أننا فى حاجة إلى تشكيل «غرفة إدارة الأزمة الاقتصادية» من ممثلى البنك المركزى والمالية والبترول والتموين والسياحة وقناة السويس للتنسيق فيما بين هذه الجهات فى اجتماعات يومية هدفها إعادة ترتيب استخدامات النقد الأجنبى.
فليس من المقبول فى هذه الظروف أن تتساوى واردات الكماليات مع واردات الطاقة أو الغذاء أو الدواء أو مدخلات الإنتاج. ولذا يجب أن تعود الدولة، ولو مؤقتًا، إلى دور المنظم أو الموجه الحازم لتدفقات العملة الصعبة، مع تمييز صارم بين الضرورى وغير الضرورى. فترك السوق تعمل وحدها فى ظروف صدمة خارجية عنيفة مثل تلك التى نواجهها ليس تحريرًا اقتصاديًا، بل هو تخلٍ عن المسؤولية.
ثانيًا: يجب منح الدعم الذكى والحرص على عدم تفاقم عجز الموازنة
إن ارتفاع أسعار النفط يضع المالية العامة أمام اختبار قاسٍ. وأخشى أن تعود كما فى الماضى إلى الدعم الشامل لامتصاص الغضب الاجتماعى. أقول أخشى لأن التجارب السابقة أثبتت أن هذا الطريق يقودنا إلى الإفلاس.
والحل ليس فى دعم الجميع، بل فى دعم من يستحق فقط، وذلك بتوزيع دعم نقدى مباشر ومؤقت للفئات الأكثر احتياجًا، مع تحميل الشرائح الأعلى استهلاكًا جزءًا من التكلفة الحقيقية للطاقة. فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق عبر أسعار منخفضة مصطنعة، بل عبر توزيع ذكى للدعم يمنع الانفجار الاجتماعى دون أن يدمر الموازنة.
ثالثًا: يجب مواجهة التضخم دون خنق الاقتصاد المنتج لا سيما أن جزءا كبيرا من هذا التضخم مستورد وليس ناتجا عن زيادة الطلب المحلى
وقد أحسن البنك المركزى عندما أبقى على سعر الفائدة دون خفض تحسبا للآثار التضخمية الناتجة عن زيادة أسعار الطاقة وسعر صرف العملات الأجنبية، ولكن بالتوازى يجب فتح قنوات ائتمان ميسرة ومحددة للصناعات التصديرية وللزراعة ولإنتاج السلع الأساسية لأن رفع الفائدة وحده بغير تمييز قد يحارب التضخم على الورق ولكنه يعمق الركود فى الواقع، ويفشل فى إنقاذ الاقتصاد الحقيقى.
لذلك فإن المطلوب ليس تشددا نقديا أعمى، بل سياسة تهدف إلى الحفاظ على قدر من الصرامة لكبح التوقعات التضخمية، مع فتح قنوات تمويل ميسرة موجهة للقطاعات الإنتاجية والتصديرية.
رابعًا: ضرورة الإبقاء على مرونة سعر صرف الجنيه والدفاع عنه من خلال زيادة الموارد الدولارية
إن أحد أخطر الأخطاء التى يمكن أن نرتكبها هو استنزاف الاحتياطى فى الدفاع عن سعر صرف غير قابل للاستمرار. فقوة العملة لا تُفرض إداريًا، بل تُبنى من خلال تدفقات حقيقية من النقد الأجنبى. لذا يجب أن نحافظ على مرونة مدروسة لسعر الصرف تشجع على دخول العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، وتمنع عودة السوق الموازية. وأى محاولة لتجميد الواقع بدلًا من التكيف معه ستنتهى بنتائج عكسية أكثر كلفة.
خامسًا: يجب إنقاذ على وجه السرعة مصادر العملة الأجنبية وبالتحديد قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين العاملين فى الخارج
للأسف كل مصادرنا من العملة الأجنبية تحت الضغط، ولكن رغم الظروف الصعبة يجب العمل على تعظيمها.
فإن كانت قناة السويس تتأثر باضطرابات الملاحة الدولية فيمكننا تخفيف الخسارة فى إيراداتها بمنح حوافز مؤقتة وفرض رسوم مرنة وتقديم خدمات إضافية للسفن المارة بالقناة حين تسمح الظروف الملاحية بذلك، وفى المدى المتوسط يجب أن نسرع لتحويل منطقة قناة السويس إلى مراكز صناعية وخدمات لوجيستية بحيث لا يبقى عائد قناة السويس قاصراً فقط على رسوم العبور.
وإن كانت السياحة رهينة الاستقرار الإقليمى فيجب الانتقال من سياسة الانتظار حتى تهدأ المنطقة إلى إدارة إيجابية proactive من خلال حملات مركزة فى أسواق أقل حساسية للأحداث الإقليمية، ومنح حوافز لشركات الطيران العارض وتسويق مكثف للسياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية.
وإن كانت التحويلات مرتبطة بأوضاع الخليج، فيتعين إصدار شهادات ادخار دولارية جاذبة للمصريين بالخارج، وربط بعض الأدوات الاستثمارية للمغتربين بمشروعات إنتاجية وخدمية واضحة وشفافة.
سادسًا: يجب خفض فاتورة الطاقة
لقد كشفت الأزمة بوضوح أن مصر لا تزال شديدة الحساسية لصدمات الطاقة لذلك يجب أن نسعى قدر الإمكان نحو تحقيق الاكتفاء الذاتى، وإلا ستظل كل أزمة جيوسياسية فى المنطقة تتحول تلقائيا إلى أزمة اقتصادية. ويجب الإسراع فى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق الهدف مثل سداد مستحقات الشركاء الأجانب لزيادة إنتاج الغاز والبترول المحلى، والتوسع فى إنتاج الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك فى الوحدات الصناعية والإدارات الحكومية. أما الإجراءات الإسعافية التى اتخذتها الحكومة مثل ترشيد الاستهلاك فهى مفيدة، لكنها بالقطع غير كافية.
سابعًا: يجب أن تتحول السياسة المالية مؤقتاً من التوسع إلى الانضباط مع إعادة ترتيب الأولويات
ففى أوقات الأزمات تصبح الأولوية للانضباط المالى، ويجب تأجيل المشروعات غير العاجلة، وتوجيه الموارد إلى ثلاث أولويات: الحماية الاجتماعية، وأمن الطاقة والغذاء، ودعم الإنتاج والتصدير.
من ناحية أخرى، يجب العمل على تعظيم الإيرادات العامة ولعل أحد هذه الموارد هو حصيلة بيع الأصول المملوكة للدولة الواردة فى برنامج الأطروحات، تنفيذا لسياسة ملكية الدولة ووفاء بتعهداتنا لصندوق النقد الدولى.
ثامنًا: إن كانت الأزمة كاشفة فيجب أن تكون أيضًا مُصحِّحة
الحقيقة التى لا يجب الهروب منها هى أن هذه الأزمة لم تخلق هشاشة اقتصادنا، بل كشفتها.
فالاقتصاد المصرى يعتمد بدرجة كبيرة على مصادر خارجية متقلبة- السياحة، قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين فى الخارج- وسيظل عرضة للصدمات.
لذلك، فإن الحل الحقيقى ليس فقط فى إدارة الأزمة، بل فى تغيير النموذج الاقتصادى ليكون اقتصادنا اقتصادا أكثر إنتاجًا، وأكثر تصديرًا، وأقل اعتمادًا على الريع، وأكثر انفتاحًا على القطاع الخاص، وهو ما نسميه الإصلاح الهيكلى للاقتصاد المصرى،
إن مصر اليوم أمام مفترق طرق واضح:
فإما أن تختار الطريق السهل: بتوفير دعم شامل وعام يستفيد منه كل المواطنين، وتثبيت سعر صرف مصطنع للجنيه المصرى وإنفاق الاحتياطى النقدى لمساندته، وبتأجيل اتخاذ القرارات الصعبة.. وهو طريق يؤدى حتمًا إلى أزمة أعمق.
أو أن تختار الطريق الأصعب: بإدارة دقيقة للأزمة، والتنسيق بين السياسات، وبإجراء الإصلاحات الجريئة وعلى رأسها التحول الهيكلى المطلوب.. وهو الطريق الوحيد نحو الاستقرار المستدام.
التاريخ الاقتصادى يعلمنا أن الدول لا تُختبر فى أوقات الرخاء، بل فى لحظات الشدة. وهذه، بلا شك، واحدة من تلك اللحظات.
نقلا عن المصرى اليوم





