بقلم الأب يسطس الأورشليمى
دخل الشيطان في يهُوذا الذي يدعى الإسخريُوطيّ، وهُو من جملة الاثني عشر، فمضى، وتكلّم مع

رُؤساء الكهنة وقواد الجند كيف يُسلّمه إليهم.. وقال لهم ماذا تعطونى وأنا اسلمه لكم فوعدوه أن يعطوه ثلاثين من الفضة تعادل ثلثمائة وثلاثين قرشاً صاغاً فباع سيده بهذه القيمة الدنيئة الذى أحبه وانتخبه يكون له تلميذاً وصيره أميناً للصندوق وكان هذا لكي يتم ما قيل بالنبي القائل (ان حسن في أعينكم فأعطونى اجرتي والا فامتنعوا فوزنوا أجرتى ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب القها الى الفخارى الثمن الكريم الذى ثمنونى به. فاخذت الثلاثين من الفضة والقيتها الى الفخارى فى بيت الرب)(زك 11: 12)

دخل الشيطان في يهُوذا ليس إكراهاً إنما وجد الباب مفتُوحاً لديه، وجد فيه الطمع باباً للخيانة، بالرغم من كونه أحد الاثني عشر تلميذاً، بلا شك كان يهُوذا قد سلّم نفسه كإناء للشيطان مع كُل فرصة ينفتح الباب بالأكثر للتجاوب مع إبليس كسيد له يملك قلبه ويوجه فكره ويدير تصرفاته، وكما يشتاق الله أن يحل في قلُوب أولاده بلا توقف ليملأهم من عمله الإلهي، هكذا يشتاق عدُو الخير أن يدخل قلُوب المُستجيبين له بلا توقف، لينطلق بهم إلى نهاية شره بكُونهُم أدواته الخاصة ومملكته..

أن الشيطان قد دخل بالفعل في يهُوذا، دخل أولاً عندما زرع في قلبه فكر خيانة المسيح، ثُم جاء إلى العشاء يحمل هذا الرُوح فيه، وإذ أخذ الجسد دخله أيضاً الشيطان لا ليُجرب شخصاً غريباً عنه مرتبطاً بآخر، وإنما ليملك على مَن هُو له، فبعد اللّقمة دخله الشيطان (يو27:13)، لهذا يُحذرنا قائلاً: لئلا يطمع فينا الشيطان (2كو11:2)، لنحاربه بالرّب وهُو خارج عنا يحاول خداعنا، ولا نتركه يدخل ويملك علينا..

فإبليس يجد بين المقربين جدا للرب (الـ12) من يمثله ويعمل عمله.. فيدنو من الرب بواسطة مشيئة الإنسان التي يستخدمها دائما وهو يحاول أن ينجح فيما التمسه منذ آدم، أي (إفناء الإنسان عن طريق إسقاطه)

ولكن يسوع وهو عالم وحده، دون سواه، بحقيقة ما يجري...وهو العارف بما وراء الحوادث ومكنوناتها...

  فأمامنا يهوذا الذي يستعد للتسليم. وأمامنا الرب الذي يعرف المقصود في هذا التسليم حيث هو نفسه "أي التسليم" هو قصد الآب "من عند الله خرج وإلى الله يمضي".. فقصد الآب أكبر وأشمل من قصد إبليس عبر استخدامه ليهوذا..

هل معني ما سبق أن السيد لأنه هو الله استهان بخيانة يهوذا الذي كان مزمعا أن يسلمه...والذي يعمق الرب الإحساس بخيانته بقوله "لست أقول عن جميعكم أنا اعلم الذين اخترتهم لكن ليتم الكتاب الذي يأكل معي الخبز رفع علي عقبه" (مز 41 :9) بل إن الكتاب يقول " لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني" (مر 14 :18)

إذ سبق فأعلن السيد أكثر من مرة عن تسليمه وموته وقيامته ليسند تلاميذه عندما يواجهُون الأحداث، نراه الآن يُعلن عن الخيانة ليُعطي مسلمه فرصة التُوبة إن أراد، حقاً لقد سبق الكتاب فأنبأ عن الخائن، لكن لم يلزم الله يهُوذا أن يخُون، ولا يمكن له أن يحتج بأن فيه تحقّقت النبُوة عن الخيانة، فإن سابق معرفة الله للأمر لا تلزمه بالتنفيذ ولا تعفيه من المسئُولية ولو قلب يهُوذا تحرك بالتُوبة، لتمت الأحداث بطريقة أو غيرها دُون هلاكه، كما أنه لم يذكر اسم الخائن حتى لا يُحرج مشاعره..

كان السيد لطيفاً ورقيقاً حتى مع الخائن، لكنه أيضاً كان حازماً وصريحاً معه مُستخدماً كُل أسلُوب للحث على التُوبة، فلم يُعلن عنه صراحة حتى لا يجعله في عار أشد لعله يرجع عن رأيه، وفي نفس الوقت لم يصمت لئلا يظن أن أمره غير مكشُوف، فيسرع لتسليمه..

إنهما أمرين متضادين تماما، ففي عشائه الأخير مع تلاميذه الذين أحبهم إلى المنتهي واشتهي أن يأكل هذا الفصح معهم والمقابلة بالمؤامرة الجارية ضده.
الأمور تتسارع فيسوع يشهد، يفصح ويكشف وهو في عمق الألم ولنتصور مدي الألم البشري الذي يسببه هذا العمل الخياني الآتي بعكس ما يُتوقع تماما...
إنه يرفض الحب ليس فقط لا يحب الله بل يرفضه، يرفض حب الله وينبذه ويرذله...

وبعد ما اسلمه لهم رأى نفسه أنه قد دين فمضي تواً ورد لهم الفضة التى أخذها منهم ثمن سيده الكريم قائلا قد أخطأت اذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا ماذا علينا أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضي وخنق نفسه. فأخذ روساء الكهنة الفضة وقالوا لايحل ان نلقيها فى الخزانة لانها ثمن دم.  فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. لهذا سمى هذا الحقل حقل دم الى هذا اليوم(اع 1: 18 ،19)

فتم على يهوذا ماقيل على لسان داود النبى لانه قد انفتح على فم الشرير وفم الغش. تكلموا معى بلسان كذب. بكلام بغض احاطوا بى وقاتلونى بلا سبب بدل محبتى يخاصموننى فاقم انت عليه سريراً وليقف شيطاناً عن يمينه. اذا حوكم فليخرج مذنباً و صلاته فتكن خطية. تكن أيامه قليلة وأسقفيته يأخذها آخر. ليكن بنوه أيتاماً وامرأته أرملة. ليتيه بنوه تيهانا ويستعطوا. ويلتمسوا خبزاً من خربهم. . . 

لتنقرض دريته فى الجيل القادم. ليمح اسمهم ليذكر اسم ابائه لدى الرب ولا تمح خطية أمه. . . فاحب اللعنة فاتته ولم يسر البركة فتباعدت عنه وليس اللعنة مثل الثوب ودخلت مثل الماء فى إمعائه وكزيت فى عظامه. . . هذه أجرة مبغضي من عند الرب وأجرة المتكلمين شراً على نفسى) (مز 109 :20)وذكر أيضاً فى أعمال الرسل (ايها الرجال الاخوة كان ينبغى ان يتم هذا المكتوب الذى سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذى صار دليلا للذك قبضوا كل يسوع. اذ كان معدودأ بيننا وصارله نصيب فى هذه الخدمة. فأن هذا اقتنى حقلا من أجرة الظلم واذ سقط على وجهه انشق من الوسط فأنسكبت أحشاؤة كلها. وصارذلك معلوماً عند جميع سكان أورشليم حتى دعى ذلك الحقل في لغتهم حقل دماً أى حقل دم. لانه مكتوب فى سفر المزامير لتصر داره خراباً ولا يكن فيها ساكن وليأخذ خدمته اخر) ( أع 1 :20 )

ثم التلاميذ يتساءلون من؟ وبطرس مدفوعا بطبعه يسأل عن طريق يوحنا ويوحنا بكل بساطة وهو متكئ على صدر يسوع كطفل يسأل الرب "يا سيد من هو" ( يو 13: 25) 

ويأتي جواب الرب في شكل مذهل أيضا!! فالرب الذي غسل أرجل التلاميذ..من أجل يهوذا أيضا ليقصي من قلبه كل غيرة وكل حسد..الآن يعمل معه عمل تكريم خاص، كدعوة لكي يتغير، فهو يغمس اللقمة بيده الإلهية ويعطيها ليهوذا...

مسيحنا أعلن قبُوله الآلام واحتماله الصلب لتقديم حياته الفصحية لأجل خلاصنا، فقد قابل قادة اليهُود الحُب بالبُغضة ومحاولة الخلاص منه، كما قابل يهُوذا هذه الصداقة بالخيانة في أبشع صورها، الآن إذ يعلن لتلاميذه ويُؤكد أن هذا الثبُوت في حقيقته هُو عطية إلهية مجانية بدُونها كان يُمكن أن يفنى إيمانهُم، أنتُم الذين ثبتُوا معي  ( لو 22: 28 )..

إن كان سقُوط يهُوذا إلى الحضيض هُو ثمرة شره الشخصي رغم تقديم كُل فرصة له للتوبة، فإن ثبات الإحدى عشر رسُولاً هُو هبة من الله، لكنهُم يقبلُون هذه الهبة في كمال حريتهُم،