الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
«آثامنا حملها وأوجاعنا تحمّلها» (إشعيا ٥٣: ٤)
الموضوع: استبداد القوى الاقتصاديّة وسحق كرامة الفقراء
(رسالة "السنة الأربعون"، البابا بيّوس الحادي عشر)
التأمّل:
سقوط يسوع الأول تحت ثقل خشبة الصليب إعلانٌ عن اللحظة التي ينهار فيها الإنسان تحت وطأة نظامٍ يفوق طاقته، إذ يجد يسوع نفسه يرزح تحت واقعٍ أليم، حيث تُركتْ فئاتٌ ضخمة من البشر «تُقاسي فقرًا لا تستحقّه» (فقرة ١٠). إنّه يسقط لأنّ "الحِمل" صار غير إنسانيّ، ولأنّ النظام العالميّ انقسم بحدّة إلى طبقتين، طبقة قليلة العدد تتمتع بكل المزايا، وطبقة عاملة «ترزح تحت وطأة بؤسٍ شديد» (فقرة ٣).
في هذا السقوط، نرى صورة المجتمع الذي وصفه البابا بيّوس الحادي عشر حين تحدث عن "الدكتاتوريّة الاقتصاديّة" التي حلّت محلّ السوق الحرّ، حيث «تراكمت قوى وسلطات اقتصادية هائلة في أيدي قلة» (فقرة ١٠٥). إنّه المسيح الذي يسقط اليوم تحت وطأة "الديون" التي تخنق الدول والفقراء، وتحت ضغط "المضاربات" التي تتلاعب بلقمة عيش البسطاء من أجل أرقامٍ في شاشات البورصة.
لقد حذّر التعليم الاجتماعيّ للكنيسة من أنّه حين يتركز السلطان الاقتصاديّ في أيدي قلة، يصبح الاقتصاد «قاسيًا، وفظًّا، ووحشيًّا» (فقرة ١٠٩). هذا الوحش هو الذي يدفع يسوع للسقوط؛ فالمسألة ليست مسألة "تعب"، بل هي نتاج "خطيئة مؤسّسيّة" جعلت من الربح إلهاً يُضحّى على مذبحه بكرامة الإنسان، بدلاً من السعي نحو «توزيع عادل لخيرات هذا العالم بما يتفق مع تدابير الخالق الكلي الحكمة» (فقرة ٥).
يسوع يسقط ليقول لنا: إنّ انكماش الروح تحت وطأة الحاجة الماديّة هو ظلمٌ يصرخ إلى السماء. فالإنسان، كما يقول القدّيس توما الأكوينيّ، يحتاج إلى قدرٍ من الكفاف الماديّ ليمارس الفضيلة؛ وحين يُسلب هذا الكفاف، يسقط الإنسان في بئر اليأس، ويصبح «معزولًا بلا دفاعٍ أمام جشع المتنافسين» (فقرة ١٠).
سقوط المسيح هو مرآة لكلّ عاملٍ فقد وظيفته بسبب طغيان "الآلة" التي لا ترحم، ولكلّ أبٍ عاجزٍ عن توفير دواء ابنه لأنّ "الاحتكار" رفع ثمنه. إنّه سقوط "عدالة توزيع خيرات الأرض" التي نادى بها توما الأكوينيّ، والتي تذكّرنا بأنّ ملكية الخيرات يجب أن تخدم الغرض الذي قصده الخالق، وهو أن تكون هذه الخيرات «موجّهة لخدمة عائلة الجنس البشريّ بأسرها» (فقرة ٤٥).
تؤكد الكنيسة أنّ «الاقتصاد لا يجوز أن يكون الغاية الوحيدة للنشاط البشري». وحين يسقط يسوع، يذكّرنا بأنّ أيّ نموٍ اقتصاديّ لا يأخذ بعين الحسبان "الإنسان الكامل" هو نموٌّ يقود إلى الموت. إنّ سقوط يسوع هو صرخة احتجاج ضد عالمٍ يتوهّم أنّ «القوانين الاقتصادية الحتمية» (فقرة ٤) تبرر سحق الضعيف، بينما الحقيقة هي أن العمل يجب أن يكون من أجل الإنسان.
---
صلاة:
يا يسوع، يا من سقطتَ تحت ثقل أوجاعنا،
أنهض فينا الضمير الذي يرفض أن يرى الآخرين يسقطون بصمت.
حرّر عالمنا من «الجشع الجامح للمنافسين» (فقرة ١٠) ومن القوى التي لا تشبع،
وعلّمنا أن نبني اقتصاداً يخدم الحياة لا الموت.
أعطنا شجاعة "سمعان القيروانيّ" لنسند المحطَّمين تحت أعباء الديون والفقر،
ولنؤمن أنّ قيامتك هي وعدٌ بنظامٍ جديد يسوده الحق والإنصاف.
آمين.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





