بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يميز العهد القديم بين عيد الفصح وعيد الفطير، لكن ارتبط العيدان معاً في ذهن اليهُود وكأنما صارا عيداً واحداً، كيف حدث هذا؟ 
كان اليهُود يحتفلُون بعيد الفصح في الرابع عشر من الشهر الأول نيسان حيثُ يذكرُون عبُور الملاك المُهلك على بيوت آبائهم في مصر، إذ يرى علامة الدم على القائمة والعارضتين فيعبر..
 
وكلمة فصح أو بصخة تعني عبُور، أما عيد الفطير فكان يبدأ في اليوم التالي، أي الخامس عشر من نيسان، ولمدة سبعة أيام فيه لا يأكل اليهُود خبزاً مُختمراً بل فطيراً، وقد امتزج العيدان معاً حتى أصبحا في عصر السيد المسيح عيداً واحداً يدعى عيد الفصح..
 
إذ كانت جماهير اليهُود في العالم كُله تتجه نحُو أورشليم لتقدم ذبيحة الفصح بطقسها ونظامها الرائع الذي يصور عمل المسيح الخلاصي، إذا برُؤساء الكهنة والكتبة (2)، وهما حزبان متزاحمان في مجمع السنهدريم، يجتمعُون معاً غالباً في دار رئيس الكهنة قيافا، ليبحثُوا كيف يتخلصُون من يسُوع سراً، خشية هياج الشعب عليهُم..
 
إنه بحسب الشريعة لا يوجد إلا رئيس كهنة واحد، لا يُقام آخر إلا بموته لكنه إذ انحدر اليهُود رُوحياً صار لهُم أكثر من رئيس كهنة، كان يليق بهُم أن يكُون لهُم رئيس كهنة واحد يرمز لأسقف نفُوسنا رّبنا يسُوع، يقبل المشُورة من الله وحسب وصيته، يخاف الله لا الناس، أما هُؤلاء فكانُوا رُؤساء كهنة كثيرين يسلكُون بمشُورة إنسانية..
 
كان خرُوف الفصح يُذبح في اليوم 14 من الشهر الأول في المساء، بينما يبدأ عيد الفطير في 15 من الشهر لمدة أسبُوع، ويُستخدم عيد الفطير ليشمل الفصح، كما يطلق اسم الفصح على عيد الفطير..
 
لقد اتفق رُؤساء الكهنة والكتبة على تدبير خطة لقتل المسيح بعد العيد خُوفاً من الجماهير، ولم يُدركُوا أن السيد المسيح قد جاء فصحاً عن العالم، بل هُو الفصح الحقيقي ذُبح في العيد من أجلنا، فبينما هُو يتمم خطته الخلاصية بفرح وسرُور مُستهيناً بالخزي ليقبل كُل نفس إليه، كان قادة الفكر اليهُودي يتممُون خطتهُم للخلاص منه وقتله.. 
 
إن كانت الكنيسة تضم امرأة بسيطة تكسر القارُورة لتسكب الطيب على رأس السيد فيمتليء البيت من رائحته الذكية، فإنه يختفي حتى من بين التلاميذ مَن يُسلمه في أيدي الأعداء، والعجيب أن الخائن يحمل اسم يهُوذا وهُو ذات السبط الذي خرج منه المسيح بالجسد، بينما يقدم لنا الأسد الخارج من سبط يهُوذا ليحطم عدُو الخير (1بط8:5)، إذا الشيطان يقتنص تلميذاً يحمل ذات الاسم ليكُون أداة لتسليم الرّب يسُوع..
 
أولاً: بينما كان يهُوذا يُخطط كيف يُسلمه، كان بقية التلاميذ يهتمُون بأعداد الفصح، لم يستأذنُوا المُعلّم لكي يذهب كُل واحد إلى عائلته يشترك معها في وليمة الفصح، إنما أدركُوا أنهُم عائلة واحدة..
 
ثانياً: أرسل السيد اثنين هما بُطرُس ويُوحنا، ونحنُ لا نستطيع أن نُقدم للرّب قلبنا عُلية يقيم ذبيحة صليبه بدُون الإيمان والحُب..
إن كان بُطرُس يُمثل الإيمان، ويُوحنا يُمثل المحّبة، فإن الرّب أرسل الإيمان العامل بالمحّبة ليهيء كُل قلب بسيط كعُلية يجتمع فيها بنفسه مع تلاميذه، يُقيم فيها مذبحه ويُعلن صليبه ويُؤسّس ملكُوته..
 
ثالثاً: لم يخبرهُم الرّب عن اسم صاحب العلّية، إذ كان معرُوفاً لهُم، وهي مريم والدة القديس مرقس الرسُول، لكنه اكتفى بتقديم علامة، حتى لا يخطط يهُوذا لتسليم السيد المسيح وهُو في العلّية..
 
رابعاً: فهُو يُريكُم علّيةً كبيرةً مفرُوشةً مُعدةً، العلّية تُشير إلى عظم استحقاق صاحبها، حتى أن الرّب يسُوع مع تلاميذه يستطيعُون أن يستريحُوا فيها، كما تُشير إلى زينة فضائله العالية..
 
إذ سبق فأعلن أكثر من مرة عن تسليمه وموته وقيامته ليسند تلاميذه عندما يواجهُون الأحداث، نراه الآن يُعلن عن الخيانة ليُعطي مسلمه فرصة التُوبة والرجُوع إن أراد، حقاً لقد سبق الكتاب فأنبأ عن الخائن، لكن لم يلزم الله يهُوذا أن يخُون، ولا يمكن له أن يحتج بأن فيه تحقّقت النبُوة عن الخيانة، فإن سابق معرفة الله للأمر لا تلزمه بالتنفيذ ولا تعفيه من المسئُولية ولو قلب يهُوذا تحرك بالتُوبة، لتمت الأحداث بطريقة أو غيرها دُون هلاكه، كما أنه لم يذكر اسم الخائن حتى لا يُحرج مشاعره..
 
كان المسيح رقيقاً حتى مع الخائن، لكنه أيضاً كان حازماً وصريحاً معه مُستخدماً كُل أسلُوب للحث على التُوبة، فلم يُعلن عنه صراحة حتى لا يجعله في عار أشد لعله يرجع عن رأيه، وفي نفس الوقت لم يصمت لئلا يظن أن أمره غير مكشُوف فيسرع لتسليمه..
 
وفي أول أيام الفطير تقدم التلاميذ إلى يسُوع قائلين له:أين تُريد أن نُعدّ لك لتأكل الفصح؟ فقال: اذهبُوا إلى المدينة إلى فُلان وقُولُوا له: المُعلّم يقُول إن وقتي قريبٌ، عندك أصنع الفصح مع تلاميذي، ففعل التلاميذ كما أمرهُم يسُوع.(17-19)..
 
أولاً: أن التلاميذ سألوا السيد هذا السؤال، لأن ليس لهم موضع يعدُون فيه الفصح، فبعد أن تبعُوه تركُوا كُل شيء، من هذا يتضح أنه لم يكُن له بيت ولا مكان للإقامة، وهُم كذلك كانُوا هكذا..
 
ثانياً: كان الفصح في الطقس اليهُودي يتم على مستوى عائلي، تقُوم كُل عائلة بذبح خرُوف الفصح، وإن لم يكن في استطاعة العائلة ذلك، يمكنها أن تنضم إلى عائلة أخرى، لكن السيد قدم مفهُوماً جديداً للفصح، وهُو أن العائلة التي تحتفل به، إنما رأسها السيد المسيح نفسه، وأعضاؤها يرتبطُون بعلاقة رُوحية في المسيح، وليس خلال قرابة دموية.. 
 
وفيما هُم يأكلُون أخذ يسُوع الخُبز، وبارك وكسّر وأعطى التلاميذ وقال: خُذُوا كُلُوا، هذا هُو جسدي، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهُم قائلاً: اشربُوا منها كُلكُم، لأن هذا هُو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا، وأقُول لكُم: إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكُم جديداً في ملكُوت أبي، ثُم سبحُوا وخرجُوا إلى جبل الزيتُون (26-30)..
 
إذ أكمل السيد المسيح الفصح حتى لا يُحسب مُتراخياً في الشريعة، قدم ذاته فصحاً جديداً عن البشرية كُلها، مُعلناً أن ذبيحة الصليب لم تتم اعتباطاً وإنما بإرادته يُسلّم نفسه للصليب، قام بتحويل الخُبز والخمر إلى جسده ودمه الأقدسين ذبيحة حقيقية واهبة للغفران (28)..
 
لقد قدمها لكنيسته لكي تتمتع بها عبر الأجيال، تأكيداً لاستمرار ذبيحة الصليب، كذبيحة حية خلالها ينعم على المُؤمنين بجسده ودمه الأقدسين كسرّ حياتهم، تلمسه وتتناوله وتتقبله في داخلك، أما الجديد ألذي نشربه معه في ملكوته هُو: تمتعنا بشركة الاتحاد مع الله في ذبيحة ابنه في السموات على مستوى جديد، إنه امتداد لكن بطريقة لا يُنطق بها..
 
أما التلاميذ ففي ضعف بشري كانُوا يتشاحنُون فكرياً على المراكز الأولى في الملكُوت الجديد، حاسبين إياه ملكوتاً زمنياً مادياً، يقُول الإنجيلي:
وكانت بينهُم أيضاً مشاجرةٌ مَن منهُم يُظن أنه يكُون أكبر، فقال لهُم: ملُوك الأمم يسُودُونهُم والمُتسلّطُون عليهم يُدعون مُحسنين، وأما أنتُم فليس هكذا، بل الكبير فيكُم ليكُن كالأصغر، والمُتقدّم كالخادم لأن مَن هُو أكبر؟ الذي يتّكيء أن الذي يخدُم؟ أليس الذي يتّكيء؟ ولكني أنا بينكُم كالذي يخدُم، أنتُم الذين ثبتُوا معي في تجاربي وأنا أجعل لكُم كما جعل لي أبي ملكُوتاً، لتأكلُوا وتشربُوا على مائدتي في ملكُوتي، وتجلسُوا على كرسيّ تدينُون أسباط إسرائيل الاثني عشر، أنظر (24-30)..
 
أن السيد ينسب طلب المراكز الأولى للأمم، وكأن العلامة الأولى للانتساب للأمم هُو التشامخ، وطلب المجد الزمني، وعلى العكس علامة الانتساب لجسد المسيح هُو الاتضاع والاشتياق لاحتلال المركز الأخير في وسط الكُل، فإن كان كلمة الله في محبته للبشرّية أخلى ذاته، محتلاً مركز العبد لكي يحمل في جسده العبيد ويرتفع بهم إلى البنوة للآب، استعبدت نفسي للجميع لأربح الكثيرين (1كو19:9)..
طلب العظمة الزمنية يسبب انشقاقاً بين الأخوة، أيا كان مركزهُم حتى وإن كانُوا تلاميذ المسيح، وكأن هذا الاتجاه هُو المُحطم للجماعة، كما أن دعوة السيد لتلاميذه بعدم طلب المجد الباطل وحُب الرئاسات ليس حرماناً، وإنما هي توجيه نحو المجد الأبدي الذي نبلغه خلال الصليب، لهذا يُؤكد لهم المراكز الكبرى بثبوتهُم معه في تجاربه..
 
الرّب ليس فقط يدعُوهُم لترك المجد الباطل، وإنما لحمل الصليب ومشاركته آلامه ليشتركُوا معه في أمجاده (29)، لأنه إن كُنا قد صرنا مُتّحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته (رو6:5)، أي حملهُم صليبه كُل يوم من أجل إيمانهُم به وكرازتهُم بإنجيله.