القمص يوحنا نصيف
    يَذكُر القدّيس لوقا في إنجيله عن ربّنا يسوع المسيح: "ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْسًا وَشَكَرَ وَقَالَ: خُذُوا هَذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ، لِأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لَا أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ ٱلْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ ٱللهِ. وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: هَذَا هُوَ جَسَدِي ٱلَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي. وَكَذَلِكَ ٱلْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ ٱلْعَشَاءِ قَائِلًا: هَذِهِ ٱلْكَأْسُ هِيَ ٱلْعَهْدُ ٱلْجَدِيدُ بِدَمِي ٱلَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ. وَلَكِنْ هُوَذَا يَدُ ٱلَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى ٱلْمَائِدَةِ. وَٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ، وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ ٱلْإِنْسَانِ ٱلَّذِي يُسَلِّمُهُ!" (لو22: 17-22).

    يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذه الكلمات بشرح وتأملات جميلة، اخترت منها في هذا المقال بعض الفقرات:
    + إنّه أمرٌ يملأنا بكلّ بركة، أن نصير شركاء المسيح بالذِّهن وبالحواس معًا؛ لأنّه يحلّ فينا -أوّلاً- بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، وبحسب ما قال في القديم أحد الأنبياء القدّيسين: "لأنّي سأسكن فيهم، وأقودهم، وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا" (حز37: 27 سبعينيّة).

    + لكنّه هو أيضًا يحلّ داخلنا بطريقة أخرى، بواسطة مشاركتنا في قربان التقدمات غير الدمويّة التي نحتفل بها في الكنائس؛ إذ قد تسلّمنا منه النموذج الخلاصي للطقس.. لأنّ كلّ نعمة وكلّ موهبة تامّة تأتي إلينا من الآب بالابن في الروح القدس.. فإنّنا نقترب هكذا من الموائد المقدّسة [المذابح] مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًّا وجسديًّا، لأنّنا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومُعطي الحياة.

    + كيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحِف بالموت أن يعود إلى عدم الانحلال؟ أُجيب بأنّه يلزم لهذا الجسد المائت أن يصير شريكًا للقوّة المُحيية التي تأتي من الله. لكن قوّة الله الآب المُحيية هي الكلمة الابن الوحيد، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمُخَلِّص ومُحَرِّر. أمّا كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنّا الإنجيلي المبارك عندما يقول: "والكلمة صار جسدًا وحلّ فينا" (يو1: 14).. وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غَرَسَ نفسه فينا باتّحادٍ لا يقبَل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا.

    + إنّه صار مِثْلَنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إيّاه (الجسد) من الموت، يُعِدُّ -من الآن فصاعِدًا- طريقًا يمكن به للجسد الذي أُذِلَّ حتّى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد [الانحلال]. لأنّنا متّحدون به مثلما كُنّا أيضًا متّحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كَتَبَ هكذا في إحدى المَرّات: "فإنّه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات" (1كو15: 21)، ويقول أيضًا: "لأنّه كما في آدَم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع" (1كو15: 22). لذلك فإنّ الكلمة إذ وحّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضِعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرَدَ منه الفساد [الانحلال]، وجعله أيضًا يصير هو مصدَر الحياة؛ لأنّه هكذا ينبغي أن يكون جسد [ذلك الذي هو] الحياة.

    + عندما تَطرَحون قطعة خبز في خمر أو زيت أو أي سائل آخَر، فستجدون أنّها صارت تحمل خاصيّة ذلك السائل الخاصّ. وعندما يوضَع الحديد في النار، فإنّه يصير ممتلئًا بكلّ فاعليّتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنّه يعمل بقوّة النار. هكذا كلمة الله المُحيي، إذ وحّد نفسه بجسده الخاصّ بطريقة معروفة لديه [فقط]، فقد منحه قوّة إعطاء الحياة.

    + وهو نفسه يؤكّد لنا هذا بقوله: "أَنَا هُوَ ٱلْخُبْزُ ٱلْحَيُّ ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا ٱلْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى ٱلْأَبَدِ. وَٱلْخُبْزُ ٱلَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي ٱلَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ ٱلْعَالَمِ.. ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ، لِأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. كَمَا أَرْسَلَنِي ٱلْآبُ ٱلْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِٱلْآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي" (يو6: 51-57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدّس الذي للمسيح مخلّصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعِلنا واحدًا معه، كائنين فيه، ومُقتَنين له أيضًا فينا.

    + كان يليق به أن يكون فينا إلهيًّا بالروح القدس، وكذلك أيضًا -إذا جاز القول- يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدّس ودمه الثمين، اللذَين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا مُعطية للحياة في هيئة الخبز والخمر؛ إذ لئلاّ نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا فعليًّا [بصورة حسّيّة مادّيّة]، موضوعَين على الموائد المقدّسة في كنائسنا، فإنّ الله إذ وضع [أنزَلَ] ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنّه يسكب في الأشياء الموضوعة أمامنا [الخبز والخمر] قوّة الحياة، ويحوّلها إلى فاعليّة جسده، لكيما نأخذها لشركة مُعطية للحياة، وكي يوجَد فينا جسد الحياة كبذرة تُنتِج حياة. لا تشُكّ في أنّ هذا حقيقيٌّ، حيث أنّه هو نفسه قال بوضوح: "هذا هو جسدي.. هذا هو دمي"، بل بالحريّ اقبَل كلمة المخلِّص بإيمان، لأنّه هو لكونه الحقّ لا يمكنه أن يكذب.

    + أمّا يهوذا الخائن، الذي كان يأكل معه، فقد تُوُبِّخ بتلك الكلمات التي قالها المسيح: "هوذا يد الذي يسلّمني هي معي على المائدة". لأنّه ربّما تخيّل في حماقته العظيمة، أو ربّما بالأحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس، أنّه يمكن أن يَخدع المسيح، مع أنّه الإله. لكن كما قلتُ، إنّه أُدينَ لكونه بالإجمال شرّيرًا ومُبغِضًا لله وخائنًا؛ ومع ذلك فقد سمح له الربّ وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسِبَ أهلاً لِلُّطف الإلهي حتّى النهاية؛ لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شِدّة!
 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 142) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]

القمص يوحنا نصيف