(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
(من مقالٍ نُشِر في "مجلّة الصّلاح"، عدد مايو-يونيو 2024)
3. شَكْلٌ جَدِيد للاحْتفَال بالعِيد
وأكمل هذا "الإنسانُ المسيحيّ المعاصر" تساؤُلاته ومُناجاته وصلاته قائلًا: «هل ستغضب منى، أيّها القائم المنتصر، بسبب هزياني هذا؟! أو هل أنا بصراخاتي وأنَّاتي المصاغة في كلمات وأسئلة أنكر قيامتك، وأتنكَّر لمفعولها وتأثيرها ودورها؟! كَلاّ.. كَلاّ، يا إلهي المنتصر، فـ"أَنتَ تَعلَمُ كُلَّ شَيء، أَنتَ تَعلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ حُبًّا شديدًا" (يو 21/ 17)! ولكنك تجدني، هذا العام، أحتفل بقيامتك بشكل جديد، أو بطريقة لم أحتفل بها طيلة أيام حياتي الماضيّة! ففرحُ قيامتك هو، بلا شكّ، فرحٌ داخليّ، وربّما تُغلِّفه الأحزان والأوجاع، والتي يمكن أنْ ندعوها "أحزانًا مقدّسة"! فمَن ذا الذي يرى أحوال العالم المعاصر ويبقى صامتًا جامدًا غير مبالٍ؟! إنَّه لن يكتفي بمجرّد احتفالات خارجيّة، ومظاهر سطحيّة، ستنتهي مهما إنْ قصرت أو طالت.
لقد تعلَّمتُ هذا العام، يا سيّدي وربّي القائم من بين الأموات، أنَّ الاحتفال الحقيقيّ بقيامتك يكمن في نظرة جديدة للذات، وللعالم، ولمَن حولنا، ولذا فهـأنــذا أبحث عنها. إنَّ قيامتك المجيدة، بالطّبع، انتصارٌ على الموت والخطيئة والشّرّ والأنانيّة فينا وبنا، ونتيجةٌ لكلِّ صليب يُحمَل بحبٍّ واحتمال، وإجابةٌ ومكافأة لكلِّ مَن يشارك إخوته في أحزانهم وآلامهم وأوجاعهم. أؤكّد لك، يا ربّي وإلهي، إيماني بقيامتك الظّافرة؛ ولكن ينبغي عليَّ أن أتسأل، بواسطتها وانطلاقًا منها، عن دوري في عالم اليوم المكتظّ بالأحداث والحوادث. فأتيتُ إليك اليوم– في مطلع فجر قيامتك– مُصلّيًا، لتجعلني أحقِّق قيامتك الأصيلة في حياتي اليوميّة الواقعيّة؛ ولتجعلني أعيش ما أحتفل به، وأُظهِر مِن خلال شخصيّتي، وأفعالي، وأقوالي، وعلاقاتي، قيامتَكَ لعالمٍ لم يَعُد يعرف إلًّا لغة وأسلوب الموت والدّمار والسّلاح والمادة والمصالح والمطامع، الذين بدورهم يتركون وراءهم الهلاك والفراغ واليأس والإحباط والأحزان والأوجاع.
فلَيْتك، أيّها القائم، تعطني القوّة والجُرْأَة لأحزن أنا وليفرح العالم، لا وبل، أن أُبْذَل كخُبْزٍ مكسور ونَبِيذٍ مسكوب، وليخلصوا البشر إخوتي من معاناتهم وضيقاتهم وأوجاعهم! إنَّني أشاركك اليوم فرحَ قيامتك، لا مِن خلال الاحتفالات الخارجيّة فحسب، وإنَّما أيضًا وأساسًا عبر أحزاني وصلواتي وسجودي وعبادتي الضّئيلة جدًّا، مِن أجل خلاص العالم.
إنَّ هذا الموقف الذي اكتشفته اليوم باطنيًّا وفعليًّا وحياتيًّا، لم ولا ولن يكن أبدًا موقفًا جديدًا وغريبًا عن الإيمان المسيحيّ؛ بل هو موقف مسيحيّ إيمانيّ أصيل. فها هي أمُّك العذراء مختبرة الأحزان، برغم مشاركتها وتعاونها في الخلاص الذي حقّقته، تقول باكيةً: "أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه مِن أجل الكلِّ، يا ابني وإلهي" (الأجبية، من قطع صلاة السّاعة التّاسعة). وهوذا القدّيس بولس الرّسول النّاريّ يصرّح: "لقَد وَدِدتُ لو كُنتُ أَنا نَفْسي مَحْرومًا ومُنفَصِلًا عنِ المسيح في سَبيلِ إِخوَتي بَني قَومي بِاللَّحمِ والدَّم" (روم 9/ 3)؛ وأيضًا: "جَهْدٌ وكَدّ، سَهَرٌ كَثير، جُوعٌ وَعَطَش، صَومٌ كَثير، بَرْدٌ وعُرْيٌ، فَضلًا عن سائرِ الأُمورِ مِن هَمِّي اليَومِيِّ والاِهتِمامِ بِجَميع الكَنائِس. فمَن يكونُ ضَعيفًا ولا أَكونُ ضَعيفًا؟ ومَن تَزِلُّ قَدَمُه ولا أَحتَرِقُ أَنا؟" (2 قور 11/ 27-29)!"».
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)





