الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يخرج علينا أحد فرسان «تحطيم المسيحيّة» ليعلن، بثقة لا تعرف التردّد، أنّ المزمور الذي يبدأ بعبارة «قال الربّ لربّي» دليلٌ قاطع وبرهانٌ ساطع على أنّ المسيحيّة تؤمن بتعدّد الآلهة! ولا يحتاج، في طريقه إلى هذا الاكتشاف المذهل، لا إلى لغة النصّ، ولا إلى سياقه، ولا إلى تاريخ تفسيره، بل تكفيه ترجمة واحدة عربيّة يقرأها على عجل، ثمّ يبني عليها حكمًا نهائيًا. غير أنّ ما يجهله هذا الناقد الفذ، أو ما يتجاهله، هو أنّ هذا المزمور ليس نصًا مسيحيًا أصلًا، بل هو نصّ مقدّسٌ يهودي، نشأ وتكوّن وتُليَ وحُفِظ داخل تقليدٍ ديني يُعدّ من أكثر التقاليد تشدّدًا في التوحيد في التاريخ. فهل يظنّ، وهو يعلن اكتشافه، أنّ اليهود، الذين كتبوا هذا النصّ وتعبّدوا به قرونًا، يؤمنون بتعدّد آلهة؟ أم أنّه يقدّم قراءة تصطدم، لا فقط مع المسيحيّة، بل أيضًا مع الفهم الإسلاميّ والتاريخيّ والواقعيّ لليهوديّة نفسها، التي تُعدّ نموذجًا صارمًا للتوحيد؟
إنّ النصّ العبري نفسه يبدّد هذا الوهم بسهولة لا تحتاج إلى جدلٍ طويل، إذ يقول: (יְהוָה לַאדֹנִי) أي: «يهوه لسيّدي، لربّي». وهنا يظهر التمييز الواضح بين (יְהוָה) «يهوه»، لفظ الجلالة العبريّ، و(לַאדֹנִי) «لأدوناي»، أي «سيّدي، ربّي». ومن الجدير بالذكر أنّ اليهود، احترامًا لاسم الله، لا ينطقون لفظ الجلالة «يهوه»، بل يستعيضون عنه عند القراءة بلفظ «أدوناي» (أي: الربّ). أمّا الترجمة اليونانيّة القديمة، أي السبعينيّة، فقد نقلت الكلمتين معًا بلفظ واحد: (κύριος τῷ κυρίῳ μου) أي: «قال الربّ لربّي»، وهو ما قد يُوهم مَن تربّى على اتّهام المسيحيّين بالشرك بوجود تماثلٍ كامل، بينما النصّ العبري يميّز بدقّة بين الله والسيّد البشري.
إنّ النصّ، في سياقه الأصليّ، لا يتحدّث عن إلهين، بل عن الله الذي يخاطِب الملك الممسوح. أمّا التحوّل الذي تقرأه المسيحيّة في هذا النص، فلا يقوم على إسقاط تعدّد آلهة، بل على قراءة مسيحانيّة ترى في هذا «السيّد» أكثر من ملكٍ أرضي، وذلك في ضوء شخص يسوع نفسه. وهنا لا يلغي هذا الفهم التوحيد ولكن يكشف فيه عن بعدٍ آخر، فهو لا يُضيف إلهًا إلى إله، ولكن يكشف بُعدًا جديد في علاقة الله بتدبيره الخلاصيّ.
المشكلة، إذًا، لا تكمن في النصّ، ولكن في قراءةٍ تخلط بين الترجمة والأصل، وبين اللفظ والمعنى، وتتعامل مع نصٍّ ديني واضح كما لو كان لغزًا يُحلّ بجمع كلمة إلى كلمة. وهكذا، يتحوّل نقد المسيحيّة إلى اتّهام ساذج وإلى تمرين في سوء الفهم أو ربّما نقص الفهم، ويتحوّل «الاكتشاف» إلى مفارقة: قراءة تدّعي كشف التعدّد، بينما تعجز عن فهم أبسط معطيات التوحيد في التقليد الذي خرج منه النصّ نفسه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





