أكرم ألفي
"إنها لحظة الصعيد بامتياز". هذه الجملة ليست شعارًا أو انحيازًا جغرافيًا للصعيد، بل هي واقع يجب أن تدركه كل المؤسسات التي تساهم في التخطيط لمستقبل مصر، وفي مقدمتها وزارة التخطيط.
إن مصر تعيش تحولًا سكانيًا نحو الصعيد منذ أكثر من 10 سنوات. وبحسب بيانات الربع الأول من عام 2026، فإن عدد سكان مصر زاد بنحو 324 ألف نسمة، وفقًا لبيانات موقع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، من بينهم 160 ألفًا في الجيزة ومحافظات الصعيد، بنسبة تصل إلى 49.5% من النمو السكاني خلال أول 3 أشهر من هذا العام.
إن انتقال الثقل السكاني من القاهرة ومحافظات الوجه البحري إلى الصعيد يرتبط بمستقبل الاقتصاد، ويتطلب تحولات في التخطيط وأولوياته، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب توفير فرص العمل واستغلال قوة شبابية هائلة في محافظات الصعيد يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية تدفع الاقتصاد المصري بقوة.
إن خطط التنمية التي تتجاهل التحولات في التوزيع السكاني هي خطط فاشلة بالضرورة. وفي مصر، هناك تحولات دراماتيكية تحدث في التوزيع السكاني؛ فعلى سبيل المثال، بلغت الزيادة في سكان القاهرة من أول يناير إلى نهاية مارس 2026 نحو 17.4 ألف نسمة، بنسبة 5.3% من إجمالي الزيادة في مصر، فيما زاد عدد سكان المنيا خلال الفترة نفسها بنحو 29.5 ألف نسمة، بنسبة 9.1%. ففي المنيا وأسيوط، يزيد معدل النمو السكاني تقريبًا مرتين ونصف مقارنة بالقاهرة، وبالتوازي، فإن نسبة الشباب في صعيد مصر تزيد بنحو مرة ونصف عن نسبتها في القاهرة والإسكندرية.
إن بيانات سكان مصر خلال الربع الأول من العام الحالي تشير إلى ضرورة تكثيف الخدمات الصحية والتعليمية في محافظات الصعيد، مع تراجع الطلب في القاهرة والوجه البحري على التعليم الابتدائي، نتيجة الانخفاض الواضح في عدد المواليد.
إن استمرار التركيز في خطط التنمية على القاهرة والوجه البحري سيدفع نحو خسارة فرص كبيرة للنمو الاقتصادي؛ لذا تبرز ضرورة إعادة توجيه الموارد إلى الصعيد، وتكثيف الاستثمار في البنية التحتية والنقل لتحقيق أقصى قدر من الإنتاجية والتنمية.
إن النمو الاقتصادي يرتبط بالعديد من العوامل، وأحد أهم هذه العوامل هو التعامل الإيجابي مع التحولات السكانية، وتوفير فرص العمل، وتحسين جودة الحياة في مراكز الثقل الديموغرافي الجديدة، حتى يمكن جني ثمار التخطيط في القاهرة التي تتجه إلى السكون السكاني، بدلًا من أن تتحمل عبء انتقال كثيف للسكان من الصعيد، إلى جانب الاستفادة من فرص العمل الجديدة والشابة في جنوب مصر.
إن التخطيط لمصر في الغد يتطلب إدارة واضحة للموارد البشرية، وإعادة تخطيط المناطق الحضرية في الصعيد لتمكينها من استيعاب طبقة وسطى صاعدة وأكثر تعليمًا وحضرية من أسلافها؛ فمن صالح المستقبل أن يصبح لدينا أكثر من قاهرة في صعيد مصر.





