د.ماجد عزت إسرائيل
يُعد يوم خميس العهد من أكثر أيام أسبوع الآلام عمقًا من الناحية التاريخية والليتورجية واللاهوتية، إذ تتجمع فيه عدة محاور مركزية في التدبير الخلاصي: إعداد الفصح، وغسل الأرجل، وتأسيس سر الإفخارستيا، ثم خروج يهوذا لبدء تنفيذ خيانته. ومن هنا لا يظهر هذا اليوم مجرد مرحلة سابقة للصليب، بل يومًا تتجلى فيه محبة المسيح العملية والسرائرية، قبل دخوله إلى الآلام بإرادته الحرة. فتبدأ أحداث هذا اليوم بإعداد الفصح، إذ أرسل السيد المسيح اثنين من تلاميذه ليهيئا له الموضع الذي يأكل فيه الفصح مع تلاميذه، كما ورد في روايات متى ومرقس ولوقا. ويأتي هذا المشهد في إطار الفصح اليهودي، الذي ارتبط في الذاكرة الدينية لبني إسرائيل بحدث الخروج من مصر، حيث عبر الملاك المهلك عن بيوت العبرانيين المرشوشة بالدم، ومن هنا جاءت تسمية الفصح بمعنى "العبور". ولم يكن هذا البعد التاريخي منفصلًا عن أحداث خميس العهد، بل كان تمهيدًا لانتقال الفصح من رمزيته القديمة إلى كماله في شخص المسيح نفسه.
 
  وتكشف المادة الطقسية والتفسيرية عن أن الفصح اليهودي كان يتضمن عناصر محددة، منها ذبح الخروف، ورش الدم، وشواء الخروف دون كسر عظم منه، وأكله مع الفطير والأعشاب المرة، وعدم إبقاء شيء منه إلى الصباح. وهذه التفاصيل لا ترد هنا باعتبارها معلومات تاريخية فحسب، بل لأنها تُظهر كيف كان الفصح القديم يحمل في داخله إشارات رمزية ستبلغ كمالها في المسيح، بوصفه الحمل الحقيقي الذي يرفع خطية العالم. وبعد إعداد الفصح والدخول إلى الموضع المعد، ينتقل المشهد إلى واحد من أكثر مشاهد هذا اليوم تأثيرًا، وهو غسل الأرجل. ففي هذا الفعل لم يقدّم المسيح مجرد نموذج أخلاقي في التواضع، بل أعلن أيضًا أن الشركة معه تقتضي التطهير. ومن هنا ارتبط غسل الأرجل في الوعي الكنسي بمعنى التنقية المستمرة، لا من حيث المعمودية التي نالها المؤمن مرة، بل من حيث تطهير السلوك في المسيرة اليومية. ولهذا فإن اللقان في هذا اليوم لا يُفهم فقط بوصفه طقسًا احتفاليًا، بل فعلًا روحيًا يربط التواضع بالتطهير، والتوبة بالاستعداد للمائدة المقدسة.

 ثم تبلغ أحداث خميس العهد ذروتها في تأسيس سر الإفخارستيا، حين أخذ الرب الخبز وبارك وكسر وأعطى تلاميذه، وأخذ الكأس أيضًا، معلنًا العهد الجديد بدمه. وهنا يتحول الفصح من ذكرى خلاص قديم إلى حضور خلاصي جديد، لأن المسيح لم يكتف بإحياء ذكرى العبور الأول، بل قدّم نفسه هو ذاته طعامًا للحياة الأبدية. ومن ثم، فإن الإفخارستيا ليست مجرد طقس تذكاري، بل امتداد سرائري حيّ لذبيحة الصليب، وعطية دائمة للمصالحة والحياة. ولهذا يمكن فهم ذبيحة التناول على أنها استمرار لفاعلية ذبيحة الصليب في الكنيسة، لا بتكرارها، بل بحضورها الخلاصي العامل في المؤمنين. وفي المقابل، يكشف هذا اليوم أيضًا عن الوجه المظلم للحرية الإنسانية، وذلك في خروج يهوذا من حضرة العشاء لينفذ مؤامرته مع رؤساء الكهنة. وهكذا يقف خميس العهد عند مفترق عميق بين الحب والخيانة: فبينما يعطي المسيح ذاته لتلاميذه، يخرج واحد منهم من حضرته إلى الظلمة. ومن هنا جاءت قراءة الكنيسة لهذا اليوم بوصفه يوم العهد الجديد من جهة، ويوم انكشاف الخيانة من جهة أخرى.

كما تُظهر المادة المرسلة أن المسيح كان عالمًا بكل ما سيحدث، ولم يدخل الآلام مضطرًا أو مفاجَأً، بل تقدّم إليها وهو مدرك تمامًا لما ينتظره. وهذا المعنى جوهري جدًا في فهم خميس العهد، لأن ما سيأتي بعده لا يمكن فصله عن إرادة المسيح الحرة في تسليم نفسه من أجل البشرية. فالعشاء الأخير ليس فقط مقدمة تاريخية للآلام، بل إعلان واضح أن الذبيحة ستتم بمحبة، وأن العهد الجديد سيُختم ببذل الذات. ومن هنا، فإن خميس العهد يجمع بين عدة أبعاد مترابطة: البعد التاريخي المرتبط بفصح اليهود، والبعد الطقسي المتجلي في اللقان والعشاء، والبعد الخلاصي المتمثل في تأسيس الإفخارستيا، والبعد الأخلاقي الظاهر في التواضع والخيانة، والبعد اللاهوتي الذي يعلن أن المسيح سلّم نفسه بإرادته حبًا للعالم. ولذلك يبقى هذا اليوم من أكثر أيام أسبوع الآلام كثافةً في المعنى، لأنه يكشف أن الطريق إلى الصليب مرّ عبر المائدة، والطهارة، والعهد، والبذل، والامتحان الداخلي للإنسان.