أكرم ألفى
الحديث عن ديموغرافيا السودان هو سيرٌ في طريق الأشواك، فهناك ستارة حديدية ومظلمة جدًا تتعلق ببيانات وتوزيعات سكان السودان. إنّ التحدث عن سكان السودان بمثابة النزول إلى حلبة مصارعة يونانية شديدة الخطورة، فالجميع يعتبر نفسه في حلبة نزال لفرض سرديته السكانية.
إنّ البداية مع أشواك الديموغرافيا السودانية تبدأ بسؤال بسيط، وهو: كم يبلغ عدد سكان السودان؟
وفقًا لموقع Worldometers الشهير، فإن عدد سكان السودان يبلغ 53.3 مليون نسمة، وهو إسقاط من بيانات الأمم المتحدة التي قدّرت عدد سكان السودان بنحو 53.28 مليون نسمة. ولكن هنا أعتذر، فهذه البيانات خاطئة ومضللة، وتقوم على عدم إدراك أصحاب العيون الزرقاء أن جنوب السودان انفصل عن السودان في 2010.
للأسف الشديد، فإن الرقم 53 مليون نسمة هو أساس كافة تصريحات المسؤولين في الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات الدولية عند الحديث عن السودان، حتى أصبح الرقم بمثابة حقيقة، رغم أنه بالنسبة لي خطأ سياسي وديموغرافي فادح.
الإجابة هنا شديدة التعقيد، رجاء الصبر عند القراءة.
أعلنت السلطات السودانية في يونيو 2009 نتائج التعداد الخامس للسكان الذي أُجري في 2008، وبلغ وقتها عدد سكان السودان 39.15 مليون نسمة، من بينهم 8.6 مليون نسمة في الجنوب.
ومع انفصال الجنوب في 2010، أصبح عدد سكان السودان، بحسب تعداد السلطات السودانية، 30.55 مليون نسمة.
ومع مرور 15 عامًا على الانفصال، أصبح عدد سكان الجنوب 12.4 مليون نسمة، بمتوسط نسبة نمو 2.8% سنويًا. ولو طبقنا نفس نسبة النمو المرتفعة جدًا على شمال السودان، فإن عدد سكان السودان سيصبح 43.7 مليون نسمة، وليس 53.3 مليون نسمة.
سبب هذا الفارق، وهو 10 ملايين نسمة، أن الأمم المتحدة وخبراءها العالميين استمروا في إسقاطات تفترض أن الجنوب لم ينفصل عن الشمال منذ 2010. عادي، فهم خبراء في نيويورك وجنيف لا يعرفون عن الجنوب شيئًا، فلا تتعجب يا صديقي! الكارثة أن نسير نحن، خبراء الديموغرافيا في الشرق، على نهجهم، ونتعامل مع بياناتهم على أنها حقيقة مطلقة لأنها صدرت من الجالسين في جنيف!
هنا أعود وأطبق كلام منظمة الهجرة العالمية وغيرها من المنظمات التي تتحدث عن 4.5 مليون سوداني خرجوا من السودان خلال 3 أعوام فقط، ليصبح عدد سكان السودان 39.2 مليون نسمة.
هذه إجابتي المبدئية عن أول سؤال صعب في قصة سكان السودان، وهو: كم يبلغ عدد سكان السودان؟ وبالنسبة لتقديراتي المتواضعة، فإن عدد من يقطنون أرض السودان اليوم لا يتجاوز 35 مليون نسمة، مع احتساب المهاجرين قبل بدء الحرب في أبريل 2023، وتقديري أن معدل نمو سكاني 2.9% هو معدل مبالغ فيه بشدة في ظل الحرب والاضطرابات.
وفي النهاية، أنا في انتظار تعداد جديد لسكان السودان، وأدرك أن كافة أطراف النزاع يرفضونه بسبب مصالحهم السياسية.





