القمص يوحنا نصيف
    بمناسبة احتفالنا اليوم بتذكار تقديم الربّ يسوع المسيح نفسه ذبيحة على عود الصليب من أجل حياة العالم، أقدّم في هذا المقال مقتطفات من تعليقات القدّيس كيرلّس الكبير على طقس يوم الكفّارة (لاويين 16)، والذي يحمل العديد من الرموز والإشارات عن ذبيحة المسيح الكفّاريّة:

    + الابن الوحيد، بالرغم من أنّه إله بحسب الطبيعة، ومن الله الآب، أخلى ذاته إلى مستوانا، وظهر على الأرض، وعاش مع البشر، ليس لأيّ شيء آخَر -كما يقول بولس العظيم- بل لكي يكون رئيس كهنة رحيمًا وأمينًا فيما لله، وهكذا يُكَفِّر خطايا الشعب (عب2: 17).

    + لم يشفع المسيح لأجل ذاته أبدًا، وهذا حقّ لأنّه لم يفعل خطيّة، لكنّه قدّم ذاته لأجلنا.. دخل إلى قدس الأقداس مرّة واحدة، وضمَن فداء أبديًّا؛ وبتقدِمةٍ واحدةٍ، صار الذين تقدّسوا كاملين للأبد.

    + لماذا (في طقس يوم الكفّارة) يُقدِّم تيسَين متساويَين في الجمال والحجم والعُمر واللون، ودون أن يكون فيهما أيّ عيب؟ سُمِّيَ تيسٌ على اسم الربّ، والآخَر سُمِّيَ "المرفوض" [أو "المعزول"] أو "المُرسَل بعيدًا"، وسُمِّيَ هكذا لأنّه يُطرَد بعيدًا عن الذبيحة، ومِن هذا الحدَث أُعطِيَ له هذا الاسم. ولا يجب أن يُعتَبَر المرفوض شيطانًا، بل هو الحيوان ذاته.

    + التيس الأوّل هو الذي يُذبَح كما يجب، ويُقَدَّس بدمه داخل الخيمة، وأيضًا يقدَّس بدمه مذبح المحرقة الموجود أمام الخيمة.. لكن التيس الآخَر، أي المعزول، فإنّه يُرسَل بعيدًا إلى الصحراء، بعدما يقرّ هارون فوقه بخطايا بني إسرائيل.

    + التيسان معًا يرمزان للمسيح؛ لأنّ المسيح "مات" بكونه إنسانًا وقُدِّمَ ذبيحةً لأجلنا.. ذُبِحَ لأجل غفران الخطايا وقدَّسَ الكنيسة، التي أشِيرَ إليها بالمكان الداخلي للخيمة [قدس الأقداس].. و"قام" أيضًا وصعد إلى المكان الذي لا يطأه البشر، أي في السماء رافِعًا خطايانا. لأنّه يقول: "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحمّلها. ونحن حسبناه مُصابا مضروبًا من الله ومذلولاً" (إش53: 4).

    + هذا هو المُرسَل ؛ لأنّه أُرسِلَ بعيدًا عنّا إلى المدينة السماويّة، لكي يَظهَر الآن لأجلنا أمام وجه الله. لأجل هذا يؤكِّد لنا الطوباوي يوحنّا، قائلاً: "يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا" (1يو2: 1-2). إذن، أمرٌ مُفرح أنّنا تطهّرنا بالمسيح "وبجرحه شُفينا" (إش53: 5). هذا هو إذن عزاؤنا. وذَهَبَ إلى مكان لا يطأه الناس، أي مكان على مثال البريّة. لأنّه أتى أوّلاً إلى العالم لأجلنا، وهو الذي دشّن الطريق الجديد والحيّ، الذي يقود إلى الراحة السمائيّة. بالتالي، فإنّ المعزول أو المُرسَل هو المسيح الذي.. رفَعَ خطايانا.

    + أمّا تساوي وتشابُه التيسين في كلّ شيء، فيُظهِر لنا بطريقة رمزيّة أنّه هو ذاته (المسيح).. وذلك مثل حالة تطهير الأبرص؛ أنّه يجب أن يُقَدَّم عصفوران، واحد يُذبَح والآخَر يُترَك حُرًّا في الصحراء (على مثال الموت والقيامة). أي أنّ الناموس يُعَلِّمنا بوضوح بآلاف الأمثلة سِرَّ المسيح.

 [عن كتاب التعليقات اللامعة على أسفار موسى الخمسة (جلافيرا) للقدّيس كيرلّس السكندري - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور جورج عوض إبراهيم]