بقلم/ هاني صبري - المحامي
في ضوء التصريح الذي أدلى به الدكتور القس أندريه زكي حول شخصية يهوذا الإسخريوطي، والذي افترض فيه إمكانية توبة يهوذا ونواله الغفران لو أنه لم ينتحر، تبرز الحاجة إلى قراءة كتابية دقيقة ومتزنة، تميز بين عمومية مبدأ الغفران في الإيمان المسيحي، وخصوصية الحالة الفريدة ليهوذا كما أعلنها الوحي الإلهي.
فالقضية هنا ليست مجرد مقارنة أخلاقية بين خطايا بين خطية يهوذا وخطية بطرس كما ذكر ، بل هي مسألة لاهوتية عميقة تتعلق بصدق النبوات، وعلم الله السابق، وإعلان الكتاب المقدس الحاسم عن مصير يهوذا.
أولاً: خطأ الانطلاق من فرضيات تخالف الإعلان الكتابي.
يرتكز التصريح على افتراض أن يهوذا كان يمكن أن يتوب وينال الغفران، وهو افتراض يبدو صحيحًا من حيث المبدأ العام (أن باب التوبة مفتوح للجميع)، لكنه يتجاهل إعلانًا كتابيًا صريحًا يخص يهوذا تحديدًا.
يقول السيد المسيح بوضوح: “وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ.” (يوحنا 17: 12)
هذا النص لا يصف مجرد حالة عابرة، بل يعلن هوية لاهوتية ومصيرًا محددًا: ابن الهلاك. وهو تعبير لا يُستخدم عرضًا، بل يحمل دلالة حتمية مرتبطة بإتمام النبوة.
فكيف يمكن التوفيق بين هذا الإعلان الحاسم وبين افتراض إمكانية توبة لم يشر إليها النص، بل على العكس، أغلق الباب دونها بإعلان المصير؟
ثانيًا: النبوات لا تُبنى على احتمالات بل على إعلانات يقينية.
الكتاب المقدس لم يترك مصير يهوذا مفتوحًا للتكهن، بل سبق وأعلن عنه في نبوات متعددة (مثل مزمور 41: 9، ومزمور 109).
وهنا يجب التأكيد على مبدأ جوهري:
النبوة الإلهية ليست توقعًا، بل إعلانًا يقينيًا لا يمكن أن يُنقض.
وبالتالي، فإن القول “لو تاب لكان نال الغفران” في حالة يهوذا تحديدًا، يتعارض مع:
١-صدق النبوة
٢- ثبات الإعلان الإلهي
٣- وكمال معرفة الله السابقة
لأن تحقق النبوة يستلزم أن يتمم يهوذا دوره كما أُعلن، دون تغيير في المصير المعلن.
ثالثًا: خيانة المسيح ليست كأي خطية
المقارنة بين يهوذا وبطرس تحتاج إلى تدقيق.
نعم، كلاهما أخطأ، لكن طبيعة الخطأ وجوهره مختلفان جذريًا:
بطرس أنكر تحت ضغط الخوف، ثم بكى بمرارة وتاب توبة حقيقية.
أما يهوذا، فقد خان المسيح عن قصد وتدبير مسبق، وسلّمه مقابل ثمن.
الكتاب المقدس لا يقدم خيانة يهوذا كخطية عادية، بل كجزء من خطة الخلاص، لكنها في نفس الوقت فعل إرادي كامل يحمل مسؤوليته الأخلاقية.
ويكفي قول المسيح عنه:
“كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ.” (متى 26: 24)
وهو تصريح لا يمكن فهمه في إطار إمكانية الخلاص لاحقًا، لأنه يشير إلى مصير بالغ السوء والحسم.
رابعًا: الندم عند يهوذا ليس توبة مخلِّصة — بل شاهد على غيابها.
يُسجل الكتاب المقدس أن يهوذا “نَدِمَ” وأعاد الفضة (متى 27: 3–5)، لكن هذا الندم لا يمكن تفسيره على أنه توبة حقيقية تقود إلى الغفران، بل على العكس، هو دليل واضح على غياب التوبة.
فالكتاب يميز بدقة بين نوعين:
حزن بحسب مشيئة الله يقود إلى توبة للحياة.
وحزن بحسب العالم ينتهي إلى الموت (2 كورنثوس 7: 10)
وما نراه في يهوذا هو بوضوح النوع الثاني
وعليه ، فإن استخدام ندم يهوذا للدلالة على أنه “كان يمكن أن يتوب” هو استنتاج خارج النص لان الكتاب المقدس يعرض مسارًا مكتملًا ينتهي بهلاك يهوذا .
خامسًا: علم الله السابق لا يلغي حرية الإنسان.
من المهم توضيح نقطة لاهوتية دقيقة:
معرفة الله المسبقة بخيانة يهوذا لا تعني أنه أُجبر عليها.
يهوذا تصرف بإرادته الكاملة، وقد مُنح فرصًا عديدة منها:
اختياره ضمن التلاميذ.
تحذيرات المسيح المتكررة.
مشاركته في العشاء الأخير.
ومع ذلك، اختار طريقه بحرية.
لكن في ذات الوقت، كان الله عالمًا بخياره مسبقًا، وأعلن ذلك في النبوات.
وهنا يتكامل الأمران:
حرية الإنسان الكاملة.
سيادة الله وعلمه السابق.
سادسًا: خطورة تحميل النص ما لم يقله.
القول بإمكانية توبة يهوذا، رغم غياب أي دليل كتابي على ذلك، بل ووجود نصوص تنفيه ضمنًا، يمثل:
أ- تحميلًا للنص ما لم يقصده.
ب - وفتحًا لباب التشكيك في وضوح الإعلان الكتابي.
ج- وإخضاعًا للوحي لمنطق افتراضي بشري.
وهذا يتعارض مع مبدأ أساسي:
أن الكتاب المقدس يفسر نفسه بنفسه، ولا يُبنى على احتمالات خارج إعلانه.
إن سعة رحمة الله وفتح باب التوبة هو جوهر الإيمان المسيحي، لكنه لا يجوز أن يُستخدم لتجاوز أو إلغاء إعلانات كتابية خاصة وحاسمة.
حالة يهوذا الإسخريوطي ليست نموذجًا عامًا، بل حالة فريدة مرتبطة بإتمام خطة إلهية معلنة.
ومن ثم، فإن افتراض إمكانية توبته، رغم وضوح النصوص، لا يعكس عمقًا لاهوتيًا ولا قراءة كتابية متكاملة بقدر ما يعكس قراءة جزئية تتجاهل السياق الكامل للوحي.
ويبقى الدرس الأهم:
أن حرية الإنسان حقيقية، وأن الفرص تُعطى، لكن رفض النعمة حتى النهاية يقود إلى الهلاك— وهذا ما أعلنه الكتاب المقدس بوضوح في مصير يهوذا، لا كاحتمال، بل كحقيقة.





