هاني صبري - المحامي
في صمتٍ مهيب يلفّ الكون، تقف النفس أمام أحداث الجمعة العظيمة لا كذكرى تاريخية فحسب، بل كمرآة تكشف أعماق الحب الإلهي الذي لا يُقاس. إنها ليست مجرد قصة ألم، بل قصة عدلٍ أُعلن، وظلمٍ كُشف، وحبٍ انتصر.

من بستان جثسيماني بدأت الرحلة، حيث لم يكن الألم جسديًا فقط، بل كان صراعًا داخليًا عميقًا، حين حمل المسيح ثقل خطايا العالم. هناك، سُلِّم بلا مقاومة، وكأن السماء نفسها وافقت أن يصمت الحق ليعلو صوت الخلاص.

ثم توالت المحاكمات…
أمام رؤساء الكهنة، حيث لم يجدوا عليه ذنبًا، بل شهود زور.
أمام بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني الذي قالها صريحة: “إني لا أجد علة في هذا الإنسان.”
وأمام هيرودس، الذي لم يرَ فيه ما يستوجب الموت.
ثلاث سلطات… ثلاث شهادات… وحقيقة واحدة: هو غير مدان.

ومع ذلك، حُكم عليه. ليس لأن العدالة أخطأت، بل لأن المحبة قررت أن تدفع الثمن من أجلي انا الخاطئ.

ضُرب، أُهين، سُخر منه، وحُمل الصليب كمن يحمل عار البشرية كلها. كل خطوة نحو الجلجثة لم تكن ضعفًا، بل اختيارًا. كل مسمار في جسده كان يُعلن رسالة:
“أنا أفعل هذا من أجلك.”
وعلى الصليب، لم يكن الألم نهاية، بل ذروة العطاء. حين قال: “قد أُكمل”، لم يكن يُعلن الهزيمة، بل إتمام خطة الخلاص.
لكن القصة لم تنتهِ عند القبر…
في فجر اليوم الثالث، حدث ما لم يتوقعه العالم:
قام… بقوة ذاته.
ليس كهروب من الموت، بل كإعلان سلطان عليه. القيامة لم تكن مجرد معجزة، بل ختم إلهي يقول إن الحب أقوى من الموت، وإن الحق لا يُدفن.
وهنا، تتجلى أعظم قصة حب عرفها الوجود…

حب لا يُقاس بالكلمات، بل بالفعل. حب لم ينتظر أن نستحقه، بل بادر واحتمل لأجلنا.
“لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ.” (يو 15: 13)
يا لها من قصة…

قصة تبدأ بألم، تمرّ بظلم، لكنها لا تنتهي إلا بالمجد.
قصة تُخبر كل قلب متعب أن هناك حبًا دُفع ثمنه كاملًا، وأن القيامة دائمًا لها الكلمة الأخيرة.

فشكرًا…
ليس لأنك تألمت فقط، بل لأنك اخترت أن تتألم من أجلي.
شكرًا لأنك حوّلت الصليب من أداة موت إلى باب حياة.
وشكرًا لأنك أثبتَّ أن الحب الحقيقي لا يُقال… بل يُبذل.