الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يظن كثيرون أنّ "حوار الأديان" محاولة لإقناع الآخر بالعقيدة، أو حلبة للمناظرة يكون فيها "المنتصر" هو من يملك الحجة الأقوى لاستقطاب الآخر. لكن هذا المفهوم يجعل الحوار "مونولوج" فهوي يحبس نفسه في أطر دعائية تنافسيّة ضيقة، بينما المعنى أبعد وأعمق من ذلك بكثير.
ما الأديان'> الحوار بين الأديان؟
الحوار في جوهره هو "إرادة الفهم". أن نسعى لفهم الآخر كما يفهم هو نفسه، لا كما تُمليه علينا تصوّراتنا وأحكامنا المسبقة أو ما سمعناه عنه في دوائرنا المغلقة. الحوار هو كسر لحالة "الاغتراب" المعرفي؛ فبدل أن نتحدث "عن" الآخر، نتحدث "معه"، لنكتشف المساحات الإنسانيّة والروحيّة التي يسكنها. فمن وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية، نحن مطالبون بأن: «نتحاور ونتعاون مع أتباع الأديان الأخرى، بذكاءٍ ومحبة، لنعترف بما عندهم من قيم روحية وأدبية، واجتماعية وثقافية، ونحافظ عليها ونعمل على تنميتها» (وثيقة "في عصرنا"، رقم ٢).
ما هدف الأديان'> الحوار بين الأديان؟
- البحث عن المشترك الحقيقي: الهدف ليس "تذويب" الاختلافات، بل البحث عما هو "حقيقي وصالح" عند الآخر. فالكنيسة ترفض الانغلاق وتعلن صراحة أنّها: «لا ترفض شيئًا مما هو حقٌّ ومقدّس في هذه الأديان» (في عصرنا، رقم ٢)، فكل ما هو حق، أينما وُجد، هو ملك للإنسانية جمعاء.
- التضامن في مواجهة الواقع: الحوار هو "فعلٌ عمليّ" يهدف لمواجهة التحديات المشتركة. حين يقع الظلم على الإنسان، لا يسأل الجوعُ عن دين الجائع. لذا، فإن الهدف هو بناء "كتلة تاريخية" تلتزم بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، انطلاقاً من أننا جميعًا: «جماعةٌ واحدة وأصلنا واحد، لأن الله أسكن الجنس البشري كله على وجه الأرض» (في عصرنا، رقم ١).
- تفكيك "الخطيئة المؤسّسيّة": يهدف الحوار إلى تحطيم جدران الكراهية والتعصب التي شيدتها "سياسات الفرقة"، واستبدالها بمفهوم "المواطنة الكاملة" التي لا تميّز بين إنسان وآخر، فالحوار الحق يوجب علينا «رفض كل تمييز بين إنسان وآخر أو أي اضطهاد يحلّ به بسبب عنصره أو لونه أو حالته أو دينه» (في عصرنا، رقم ٥).
باختصارٍ، نحن لا نتحاور لنتنازل عن هوياتنا، بل لنثبت أنَّ الأديان يمكن أن تكون قوّة دفع للحرية والعدل، لا أداة للاستبعاد. الحوار هو أن نحمل معًا "معاناة الواقع" لنصل إلى "قيامة الإنسان". إن التضامن ليس شعورًا بالشفقة الغامضة، بل هو قرار ثابت وراسخ بالالتزام بالخير العام؛ لأننا جميعاً مسؤولون عن الجميع.





