د. ماجد عزت إسرائيل 

 تُعد قيامة السيد المسيح من بين الأموات الحدث المركزي في الإيمان المسيحي، والمحور الذي تدور حوله الكرازة الرسولية، لأنها ليست مجرد خاتمة لأحداث الصلب، بل الإعلان الحاسم عن انتصار الحياة على الموت،
 
والحق على الظلم، والنور على الظلمة. ومن هنا، لم تكن القيامة حادثًا عابرًا في التاريخ الديني، بل واقعة فريدة هزّت كيان المجتمع اليهودي، وأثارت ردود فعل واسعة، حتى إن خصوم المسيح رأوا فيها خطرًا يفوق تأثير كرازته ذاتها.
 
ولهذا حاولوا مقاومة حقيقة القيامة، كما قاوموا شخص المسيح نفسه، لأن القيامة كشفت بصورة نهائية صدق رسالته وسلطانه.
 
وتكتسب القيامة بعدها التاريخي من كون السيد المسيح سبق فأعلنها لتلاميذه بوضوح، حين قال: " إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيرًا، وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ"(لو 9: 22). فالمسيح لم يفاجأ بما جرى له، ولم تكن قيامته أمرًا منفصلًا عن وعيه أو تعليمه، بل جاءت تتميمًا لما سبق أن أعلنه مرارًا. وهذا ما يمنح القيامة طابعها التاريخي المعلن، إذ لم تكن مجرد تفسير لاحق من التلاميذ، بل تحقيقًا لوعد سبق أن نطق به المسيح نفسه.
 
 كما أن القيامة، في بعدها التاريخي، لا تُفهم فقط من خلال الخروج من القبر، بل من خلال ظهورات المسيح الحقيقية والملموسة بعد قيامته. فالإنجيل لا يقدّم القيامة بوصفها فكرة مجردة، بل بوصفها حدثًا تحقق في الزمان والمكان، وتأكد بشهادة الرؤية واللمس والمعاينة. ولهذا قال الرب لتلاميذه: " اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي"(لو 24: 39).
 
وكذلك دخل عليهم بعد القيامة رغم انغلاق الأبواب، كما ورد: " وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ!" (يو 20: 19).
 
وبذلك تظهر القيامة حدثًا منظورًا ومحققًا، لا مجرد تعزية نفسية أو تأويل رمزي. وتنفرد قيامة المسيح أيضًا بأنها ليست كإقامة الآخرين من الموت. فكل الذين أُقيموا قبله أقامهم آخرون: ابن أرملة صرفة صيدا أقامه إيليا، وابن الشونمية أقامه أليشع، وابنة يايرس وابن أرملة نايين ولعازر أقامهم المسيح. أما المسيح نفسه فقد قام بذاته، لأن الحياة فيه جوهريًا، كما يعلن الإنجيل: " فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو 1: 4). ولهذا لم يكن ممكنًا أن يُمسك من الموت، لأن الذي قام ليس مجرد إنسان عاد إلى الحياة الزمنية، بل هو رب الحياة نفسه. ومن هنا تبرز القيامة بوصفها إعلانًا عن سلطان المسيح الإلهي، لا مجرد معجزة من بين المعجزات.
 
 ومع هذا البعد التاريخي المنظور، تحمل القيامة أيضًا بُعدًا روحيًا سريًا وحاضرًا في حياة الكنيسة والمؤمنين. فقيامة المسيح ليست واقعة مضت وانتهت، بل قوة مستمرة في حياة الذين يؤمنون به ويحيون فيه. ولهذا قال الرب: " بَعْدَ قَلِيل لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ"(يو14: 19). فالقيامة هنا لا تعني فقط أن المسيح قام، بل أن المؤمنين أيضًا ينالون فيه حياة جديدة، ويعيشون بقوة قيامته، ويرفعون أنظارهم بالإيمان إلى فوق، حيث المسيح الجالس عن يمين الآب. ومن ثم، تصير القيامة مصدرًا لنور الإيمان، وأساسًا للجهاد الروحي، ودعوة إلى العيش فوق مستوى هذا الدهر ومطالبه. 
 
  وتؤكد الرسالة الرسولية هذا المعنى بصورة واضحة، إذ يكتب بولس: "لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. " (15: 22). فقيامة المسيح لا تخصه وحده، بل تؤسس رجاء البشرية كلها في الحياة الجديدة.
 
ولهذا تصبح القيامة حجر الزاوية في الإيمان المسيحي، حتى إن الرسول نفسه يعلن: " إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضا إيمانكم... إن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم: أنتم بعد في خطاياكم، إذن الذين رقدوا في المسيح أيضا هلكوا... ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين" (15: 14و 17و 20). وبهذا المعنى، لا تكون القيامة عنصرًا ثانويًا في العقيدة، بل أساسها الجوهري، إذ بدونها يفقد الصليب معناه الكامل، وتفقد الكرازة قوتها، ويضيع الرجاء في الغلبة على الموت.
 
 ومن ثمار القيامة أيضًا أنها تؤكد صدق تعليم المسيح وسلطانه، كما ترتبط بإرسالية الكنيسة إلى العالم كله. فالمسيح القائم هو الذي أوصى تلاميذه أن يخرجوا بالكرازة إلى الخليقة كلها، كما ورد: " اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (15:16). كما أن قيامته تعلن سلطانه على بذل ذاته واستردادها، إذ قال: " لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي (إنجيل يوحنا 18:10)". وهكذا تكشف القيامة أن المسيح لم يكن مغلوبًا في موته، بل سيدًا على موته وقيامته معًا.
 
 ولا تقف القيامة عند حدود النص اللاهوتي أو التاريخي، بل تمتد إلى الحياة الإنسانية والروحية بوصفها باعثًا للرجاء والانتصار. فهي انتصار على الموت، وعلى الظلم، وعلى الشيطان والخطية، وعلى كل ما يستعبد الإنسان في الداخل.
 
ومن هنا تغدو القيامة قوة تحرير، لأنها لا تمنح الإنسان مجرد عزاء، بل دخولًا فعليًا في حياة جديدة. كما أن زيارة القبر، كما فعلت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة، تكشف أن القبر الذي كان موضع حزن صار موضع بشارة، كما يروي مرقس: " وبعدما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطًا ليأتين ويدهنه. وباكرًا جدًا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس.
 
وكن يقلن فيما بينهن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر. فتطلعن ورأين أن الحجر قد دُحرج. لأنه كان عظيمًا جدًا. ولما دخلن القبر رأين شابًا جالسًا عن اليمين لابسًا حلة بيضاء فاندهشن. فقال لهن : لا تندهشن. أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. قد قام ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه. لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل هناك ترونه كما قال لكم. فخرجن سريعًا وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن ولم يقلن لأحد شيئًا لأنهن كن خائفات" (مر16: 1-8).
 
وهذا النص يكشف أن القيامة حوّلت موضع الموت إلى بداية للكرازة والرجاء.
 
  وهكذا، فإن قيامة السيد المسيح من بين الأموات ليست مجرد حدث من أحداث التاريخ المقدس، بل هي قلب الإيمان المسيحي، ومصدر الحياة الجديدة، وأساس الرجاء، والبرهان الحاسم على سلطان المسيح وصدق رسالته. فهي حدث تحقق في التاريخ، وتجلّى في ظهورات حقيقية، وفي الوقت نفسه تبقى قوة روحية حاضرة في الكنيسة وفي حياة المؤمنين. ولذلك تظل القيامة دعوة دائمة إلى الإيمان، وإلى الحياة الجديدة، وإلى الثبات في الرجاء، لأن المسيح القائم لم يغلب الموت لنفسه وحده، بل فتح للبشرية كلها طريق الحياة الأبدية.