بقلم هناء ثروت
في لحظة قد تكون فاصلة في حياة الانسان يشعر فيها باليأس والاحباط وظلام يحيط به من كل النواحي، يشعر فيها بانعدام الحلول وانطفاء كل الانوار بداخله، يمر شريط حياته امام عينيه يجد الفشل يلاحقه يجد الفرح لم يزر قلبه منذ سنين، لحظة يشعر فيها بالوحدة لا سند له ولا دائرة امان يحتمي فيها، يجد ان الحل الوحيد لكل ما هو فيه هو الموت، انهاء حياته بأي شكل، في هذا الوقت يشعر انه لا يريد تعاطف من احد لا يريد نظرة شفقة من احد، لماذا؟ لانه ظل يرسل في رسائل استغاثات لعل يسمعه احد ويمسك بيده ولكننا وللأسف ننتظر ان نرى مدى قوته وشجاعته ونراهن على احباطه الذي غالبا ينتصر في الاخير ويكتب اخر فصول حياته.

في الآونة الأخيرة تزايدت حالات الانتحار بشكل كبير، فاليام الاخيرة حملت اربع حالات انتحار كلها لشباب ضاقت بهم السبل فلم يجدوا الا الموت كي ينتصروا على ضيقاتهم، وضعوا ختام قصتهم ووضعونا نحن في ازمة، نعم نحن في ازمة كبيرة لعلنا ندركها، فالمنتحر ليس المخطأ وحده، فالمجتمع كله قد اخطأ معه، اسرته واصدقائة المقربين ومن يعلم بالآمه ومن يدري كم قست الحياة عليه وتركوه يواجه كل هذا بمفرده، كلنا مخطئون.

ولكن، وفي ظل ما نسمعه ونراه من احداث تدمي القلب نجد اصوات تريد ان ترفع الذنب من عليه وتضعه على المنتحر وتوصمه بالكافر ومصيره النار، ونجد التنظير والمزايدات تعلو والاحكام تُصدر كي يناموا وهم مستريحو الضمير، بالطبع لابد ان يفعلوا ذلك حتى يزيلوا كل حمل او ذنب.

ولكن السؤال هل قرار انهاء الحياة سهل لهذه الدرجة ؟ في الحقيقة، قرار إنهاء الحياة ليس سهلًا كما قد يتخيله البعض، بل هو في نظر الطب النفسي نتيجة معقدة لتراكمات نفسية وألم داخلي قد يستمر لفترات طويلة دون أن يُفهم أو يُلاحظ. الإنسان الذي يصل إلى هذه المرحلة لا يكون بالضرورة ضعيفًا أو فاقدًا للإيمان، بل غالبًا ما يكون قد استنزف كل طاقته في محاولة الصمود، حتى لم يعد يرى أمامه أي مخرج.

تشير الدراسات النفسية إلى أن من يفكر في إنهاء حياته غالبًا ما يكون تحت تأثير اضطرابات مثل الاكتئاب الحاد أو القلق المزمن أو الصدمات النفسية، وهذه الحالات تؤثر على طريقة التفكير والإدراك، فتجعل الشخص يرى العالم من زاوية مظلمة فقط، وكأن كل الأبواب قد أُغلقت بالفعل. في تلك اللحظة، لا يكون الموت رغبة حقيقية بقدر ما هو محاولة للهروب من ألم لا يُحتمل.

كما يؤكد المختصون أن الإنسان في هذه الحالة تضيق رؤيته للحلول فلا يرى إلا خيارًا واحدًا، رغم أن الواقع قد يحمل احتمالات أخرى لو وجد من يمد له يد العون في الوقت المناسب. وهنا تتجلى مسؤولية المجتمع، ليس فقط في إطلاق الأحكام، بل في الاحتواء، في الإصغاء، في ملاحظة التغيرات، وفي التعامل مع الألم النفسي بجدية لا تقل عن الألم الجسدي.

إن وصم هؤلاء الأشخاص أو اختزال قصتهم في حكم قاسٍ لا يُنصف حجم المعاناة التي مرّوا بها، بل يزيد من صمت الآخرين الذين قد يمرون بنفس التجربة، فيخشون البوح خوفًا من الإدانة. الرحمة، لا القسوة، هي ما يحتاجه الإنسان في لحظات ضعفه.

وفي النهاية، لا يمكننا أن نُصدر أحكامًا قاطعة على من أنهى حياته، لأننا ببساطة لم نعش ما عاشه، ولم نشعر بما شعر به. إن ما في داخل الإنسان من صراعات وآلام لا يعلمه إلا الله، ولذلك فالحكم ليس لنا، بل لله وحده، هو الأعلم بالقلوب، والأرحم بالعباد.