الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من منظور علم اللاهوت السياسيّ، لا يمكن فهم خطاب دونالد ترامب خارج سؤال الذاكرة والضحايا. فيقدّم يوهان بابتست متس مفتاحًا حاسمًا: ما يسمّيه «الذِّكرى الخطِرة» أي ذاكرة آلام الضحايا التي تزعزع كلّ نظام يبرّر ذاته. أمّا خطاب ترامب، في المقابل، فيسعى إلى محو هذه الذاكرة أو تهميشها، من خلال تحويل السياسة إلى سرديّة انتصار: أرقام، وقوّة، ونجاح عنيف. لكنّ اللاهوت، عند متس، يبدأ من العكس تمامًا: من صرخة الضحيّة التي ترفض أن تختفي في لغة السلطة.
ومن هنا يتجلّى الانحراف الترامبي: فحين يضيق مفهوم الشرعيّة في “الفوز العسكريّ الساحق”، تُلغى معاناة المهمَّشين. غير أنّ جوستاڤو جوتييرث يذكّرنا بأنّه لا يمكن معرفة الله أو تعريفه داخل حيادٍ سياسيّ ولكنه يكشف عن ذات في «الخيار التفضيلي للفقراء». فالسياسة التي تُنتج الخوف لدى المهاجرين، وتحوّل الفقر إلى تهمة، ليست سياسة خاطئة فحسب ولكنها أيضًا خطيئة بنيويّة. وهنا يصبح السؤال من الأساس ليس هل الدولة قويّة؟ ولكن بالأحرى: مَن يدفع ثمن هذه القوّة العسكريّة؟
أمّا على مستوى فهم الله ذاته، فيكشف خطاب ترامب ودراويشه في عبادة القوّة عن لاهوت مُشوَّه. وهنا يفيدنا عالم اللاهوت البلجيكيّ إدوارد سخلبيكس بإعطائنا تصحيحًا جوهريًّا: الله لا يعلن ذاته في هيمنة التاريخ، ولكن في خلاص الإنسان. «فلا خلاص خارج العالم»، أي أنّ حضور الله يُقاس بقدر ما تتحقّق الإنسانيّة. لذلك، كلّ خطاب سياسيّ يبرّر العنف أو يختزل الآخر في أنّه تهديد، إنّما يُفرغ اللاهوت المسيحيّ من جوهره. ومن ثمّو لا يمكن أن يستطيع ربط نفسه بالمسيحيّة.
من هذا المنظور، يصبح نقد عنف ترامب ليس موقفًا أيديولوجيًّا أو سياسيًّا فحسب ولكن في الأساس ضرورة إيمانيّة. فحين يطالِب ترامب البابا (الكنيسة) بالصمت أو بالانخراط في منطق القوّة، يكون الردّ هو استعادة دورها النبويّ: الكنيسة لا تبارك الإمبراطوريّات ولكنها تفكّك أوثانها، وهذا هو خطر الشرك الأكبر (ليس الاتهام الساذج بشرك المسيحيّة) فالشرك الحقيقيّ هو عبادة آلهة العنف والدمار والسلاح والسلطة. عبادة آلهة تقضي علي حياة الإنسان البريء.
نحن إذًا أمام تعارض واضح:
سياسة تُنتج ثقافة نسيان الضعيف، وتنشر الهيمنة، وتبرير الذات؛
ولاهوت يحيي الذاكرة، وينحاز إلى الضحايا، ويقيس الحقيقة بقدرة الإنسان على أن يصير أكثر إنسانيّة.
في هذا الضوء السؤال الحقيقيّ هو: أيَّ إله نعبد؟ إله القوّة التي تفرض ذاتها، أم إله الصليب والمحبّة والغفران والسلام الذي يكشف الحقيقة في ضعف الضحيّة؟
الجواب، في التقليد المسيحيّ، واضح وصادم: الله ليس في انتصار الأقوياء، ولكن في صرخة المصلوبين. في أنّ عالمًا أفضل يمكن أن نصنعها بأنفسنا، وهذا أساس رجاء الإيمان بالقيامة. فمن دون هذه الذِّكرى الخطِرة (آلام المسيح وقيامته)، يتحوّل كلّ نظام، مهما ادّعى، إلى حضارة موت.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





