الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يظن كثيرون في فضائنا المصريّ بشكلٍ خاصّ أنَّ "التصلّب" هو مرادف لـ"الأرثوذكسية" (الاستقامة)، وأنَّ إغلاق الأبواب أمام أسئلة العصر وتحدّيات الواقع هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على نقاوة الإيمان. لكنّ الحقيقة المؤلمة هي أنَّ هذا "اللاهوت الأقدم" يرتكب جريمة "فقدان الواقع" بحجّة الحفاظ على العقيدة. فذلك يتناسى تاريخانيّة اللاهوت، فلاهوت الآباء نفسه هو نتاج "انخراطهم" في "واقعهم" ومستحدثاته.
ما الذي يحدث حين يتجمّد (يتحنّط) اللاهوت؟
١. خطر الارتداد: إنَّ بقاء اللاهوت بصيغٍ لا تلائم حاجات العصر ولا تجيب على أنين الإنسان المعاصر، لا يحمي الإيمان، بل يزيد من أعداد الذين يبتعدون عنه، سواء أولئك الذين يحتجّون بصخب، أم أولئك الذين ينسحبون في صمت.
٢. الأرثوذكسيّة الزائفة: إنّ اللاهوت الذي يكتفي بـ"التكرار ذاته" من دون إعادة تأويلٍ حيّة، يعرّض الأرثوذكسيّة للخطر بقدر ما تفعل الهرطقات؛ لأنّه يحوّل "الخبرة الحية بالله" إلى "متحف للمفاهيم الميتة".
٣. خيانة التجسّد: إذا كان "التجسّد" هو انغماس الله في تاريخ البشر، فإنّ اللاهوت المتصلّب هو فعلٌ "عكس-تجسّدي"؛ إنّه محاولة لرفع الدين فوق التاريخ، مما يجعله غريبًا عن آلام الناس وشؤونهم الحديثة.
إنَّ القصد الأساسيّ لعلم اللاهوت ليس التحنيط، لكن المساعدة على "عبور الأزمة الراهنة". اللاهوت الحقيقيّ هو الذي يمتلك الشجاعة ليكون "قيروانيًّا"، يحمل صليب الأسئلة الصعبة، ويمسح بمنديل فيرونيكا وجه الإنسان المشوّه بالفقر والاستبداد، ليعيد إليه صورته الأولى.
نحن لا نحتاج لاهوتًا يخشى العصر، نحتاج لاهوتًا "يقتحم" الواقع والشأن الاجتماعيّ، مؤمنين بأنّ التطوّر والتجدّد هما «قيمةً صامدة تميّز التعليم الاجتماعيّ للكنيسة» (البابا يوحنا بولس الثاني، الاهتمام بالشأن الاجتماعيّ).
من أراد حماية الإيمان، فليجعلْه يتنفس هواء الواقع، فليجعله حليف "لاهوت التجسّد" لا لاهوت القبر. أما التمسّك بالقشور القديمة بدعوى الأصالة، فهو أسرع طريقٍ لتحويل الكنيسة إلى مؤسّسة تراثية متحفيّة، بدلاً من أن تكون "جسدًا حيًّا" قائمًا في قلب العالم.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





