دكتور مهندس/  ماهر عزيز 
15 أبريل 2026

[  نقد سياسي- لاهوتي لمعارضة البابا لترامب  ]

في شأن الحرب الدائرة بين أمريكا وإيران، صرح البابا ليون الرابع عشر - بابا كنيسة روما المسئولة عن حوالي  1.4 مليار كاثوليكي في أنحاء العالم -  عدة تصريحات تجاوزت "الروحي" إلي "السياسي"، فهاجم علي نحو مباشر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باسمه، واشتبك في توجيه لوم صريح له لخوضه الحرب ضد إيران، ما وضعه في مواجهة ردود حاسمة من الرئيس ترامب.

قال البابا ليون الرابع عشر يرد علي الرئيس ترامب :  "إنه سيواصل التنديد بالحروب" - بعد الهجوم المباشر عليه - وأدلى للصحفيين بتصريحات - على متن الطائرة البابوية المتجهة إلى الجزائر في رحة رعوية - قال فيها :  "إن الرسالة المسيحية يساءُ استخدامها».

قال البابا : «لا أريد الدخول في جدال معه، لكنني سأواصل التحدث بصوت عالٍ ضد الحرب، سعيًا إلى تعزيز السلام، وتشجيع الحوار، ودعم العلاقات متعددة الأطراف بين الدول، بهدف إيجاد حلول عادلة للمشكلات».

وتابع البابا : «هناك عدد كبير جدًا من الناس يعانون اليوم في العالم، وعدد كبير جدًا من الأبرياء يُقتلون، وأعتقد أن أحدا ما عليه أن يقف ويقول إن هناك طريقًا أفضل». وختم بالقول : «رسالة الكنيسة، رسالتي، رسالة الإنجيل هي  "طوبى لصانعي السلام"، وأنا لا أنظر إلى دوري بوصفه دورا سياسيا».
 
الحق إن كلمات البابا إن دلت علي شيء فتدل علي تداخل شديد بين "لاهوت الأخلاق الفردية"، و"لاهوت الجماعة". وخلط شديد بين "لاهوت المعاناة الشخصية" و"لاهوت السياسة".

من منظور "لاهوت الجماعة" لا يمكن "للأخلاق الفردية" أن تحرض علي التضحية بمصير أمم بأكملها وأوطان بكاملها علي مذبح معاناة بعض الضحايا - مهما عظمت ؛ 

ولا يمكن للمعاناة الشخصية لأي مجموعة أفراد تحت وطأة حرب خاطفة أن تطمس مطالب "اللاهوت السياسيّ" في الفصل التام بين ماهو "للأخلاق الانجيلية" - كما "برسالة الإنجيل" التي يصددرها خطاب البابا - وما هو لتأزمات "ما لقيصر" في العالم الحقيقي لصراعات النفوذ والهيمنة، وتهديد الأمن القومي للشعوب والأمم؛

واذا كان هنالك من يقحم سؤال "ذاكرة آلام حفنة الضحايا" - من أمثال "يوهان بابتست متس" - علي "ذاكرة رعب الأمم"، فإنه يتعمد  ضرب نظام دولي قرر ببسالة أن يجتث بالقوة المنظمة خطرا يتمدد بإصرار وشراسة ليفترس اثنتي عشرة دولة، بمن فيها عشرات ملايينها المنهارين رعبا وذعرا وانتظارا للفناء، كما يتعمد أن يحطم السلام الحقيقي الذي يخايل به أنه رسالة المسيح .   

فخطاب ترامب يسعى في "اللاهوت السياسي" لقيصر "العالم الواقعي" أن يجد "الطريق الأفضل" - الذي تحدث عنه البابا -  بقوة العدل، أو بعدل القوة،  وبالنصر علي رأس وأذرع الشر وجحافل الظلام،  محققا رسالة الإنجيل في "الطوبي لصانعي السلام"، فيصنع السلام بقوة العدل أو بعدل القوة،  ليزيح الرعب والذعر والفناء .. وهو إذ يصنع بالحرب في السياسة "سرديّة الانتصار"، يكشف عن الإخفاء المتعمد  المتآمر الذي تفعله "سردية صرخة الضحيّة" "بعالم قيصر" الحقيقي .. وبالرعب النووي ..  حيث تتواري في أردية التخفي محاولات اليسار الدؤوب لتحويل العيون والأقدار والهمم عن التهديد بفناء العالم في قبضة الشر والدمار.

من هنا يتجلّى الانحراف اليساري لخطاب  المسكنة "بمعاناة المهمشين"، وخداعية "لاهوت الأخلاق الفردية" .. فحين يتسع مفهوم الشرعيّة في “النصر النبيل الساحق” علي " شيطان التهديد بالقوة الباطشة والذعر النووي"، تتواري في خجل - بكل ما اتشحت به من أردية التخفي -  محاولة صرف الأبصار والعقول والوعي عن التهديد بفناء العالم في قبضة الشر الدوجماطيقي والخضوع النووي.
 
ويجدر بنا أن نرد هنا علي ادعاءات "جوستاڤو جوتييرث" ومن يذهبون مذهبه [بأنّه لا يمكن معرفة الله أو تعريفه داخل حيادٍ سياسيّ، ولكنه يكشف عن ذاته في «الخيار التفضيلي للفقراء»]، بأن معرفة الله لا تتم مطلقا بخلط "ما لله" "بما لقيصر"، والتعمية "بالفقراء والمهمشين والمتألمين الفرادي" علي الخطر لحقيقي المحدق بالعالم الواقعي للشعوب والأمم.

فالسياسة التي تتمحك في توجسات المهاجرين، وتداري بأوضاع الفقراء، وتطمس بتأوهات المهمشين، وتتخفي في أوجاع المتألمين، ليست سياسة خاطئة فحسب لكنها أيضا جريمة، وهنا يصبح السؤال من الأساس :  هل تضحي بفناء الأمم والشعوب لأجل تخرصات يسارية لا تدرك أين يقع الخطر، وتتمحك في "لاهوت الأخلاق الفردية" ؟  أم تشهر سيف العدل والقوة في وجه الشر والخطر ؟ .

أمّا على مستوى فهم الله ذاته، فينكشف خطاب البابا - ومن يحذو حذوه من اليسار الأوربي والأمريكي والعربي - أمام حقيقة أن الله لا يعلن عن ذاته في حالات الادعاء الفردي، مهما تمحكت بالأخلاق، أو تخفت في الدفاع عن الفقراء والمهمشين، بل الله يعلن عن ذاته في هزيمة القوة الغاشمة المتجبرة الظالمة بإعلان العدل بالقوة النبيلة

 التي تعلن  الخلاص، وحضور الله يقاس بقدر ما يتحقق العدل والسلام في الأرض والشعوب، فلا خلاص خارج العدل الإلهي، أي أنّ حضور الله يُقاس بقدر ما يتحقّق العدل والأمن والسلام في العالم،  وكلّ خطاب سياسيّ يؤكد رعاية العدل بالقوة، أو يتحقق بأن الآخر لا يشكل تهديدا مطلقا، إنّما يقع من اللاهوت المسيحيّ في جوهره. ومن ثمّ فإنه بالحقيقة ينبع من شخص المسيح ذاته.

من هذا المنظور يصبح نقد موقف ترامب في صميمه موقفا أيديولوجيًّا أو سياسيًّا لا علاقة له  بالروح البتة. بينما يتأكد موقف ترامب في جوهره كضرورة إنجيلية تحقق جوهر رسالة المسيح والكنيسة : " أعطوا ما لقيصر لقيصر".

وحين يطالِب ترامب البابا ( أي الكنيسة ) بالصمت، أو رؤية الحق كما يتبدي في الإنجيل والعالم، والابتعاد عن السياسة، يكون الردّ هو الاتجاه لتقوية الدور الروحي للكنيسة في العالم، واستعادة دورها ككنيسة الله "فيما لله" وليس "فيما لقيصر".

ولتبتعد الكنيسة عن صراع الأمن القومي "للإمبراطوريّات"، وتنأي بنفسها عن دوائر النفوذ والهيمنة، فهذه لو انحدرت إليها فإنها هي الشرك الأكبر .. الشرك الحقيقيّ هو الانشغال بعبادة آلهة اليسار والخداع والخنوع، والتجارة بشعارات المهمشين والفقراء واللاجئين، والتفريط بروح العبيد للقمع والقهر والتخريب .. لشياطين الاحتلال والرعب النووي .. الانشغال بعبادة آلهة تقضي علي الإنسان والوطن والهوية والوجود.

نحن إذًن أمام تعارض واضح  :
لاهوت أخرق مخدوع بشعارات فجة تدعي الانحياز للضحايا،
وسياسة تُنتج الفصل اليسوعي الرائع "للاهوت العالم" عن "لاهوت الله"، وتعي بالحقيقة أن إنسانية الإنسان تتألق في العدل والقوة النبيلة التي تحميه وتحمي الأمن والسلام بمنأي عن الهيمنة والنفوذ. 

ويبقي السؤال الحقيقيّ هو : أيَّ إله نعبد؟ 
إله التفريط في الوطن والكرامة والإنسان لتتحكم فيه القوة الغاشمة والخطر الأفظع تحت ستار الانحياز للضعفاء والمتألمين؟ 
أم إله العزة والكرامة والحفاظ علي الأوطان والإنسان والسلام، الإله الذي يصلب الخطر ويقيده،  ويكشف الحقيقة في العدل الدولي،  وفي هزيمة أحلام السيطرة والنفوذ، وفي منع تقويض الأمن القومي للدول والشعوب.؟

الجواب، في التقليد المسيحيّ، واضح وصادم : الله ليس في خنوع المخدوعين وتساهلهم الذي يضيع أوطانهم وشعوبهم، ولكن الله في العدل المحفوظ بالقوة النبيلة ..  وفي الحفاظ علي الأمن القومي والسلام للأبرياء.  الله في صرخة المهددين بخطر الأعداء طلبا للعدل والسلام . في القاضين بالقوة والعدل لعالمً أفضل يمكن أن يصنعونه بأنفسهم، وهذا أساس النصرة بالقيامة  ..  فبقيامة المسيح ينهزم الشر ..
بينما  يتحوّل كلّ نظام خانع خاضع متهاون مفرط في مقدراته بزعم أخرق بالانحياز للمهمشين إلى موت.

شهادة الكتاب المقدس :

في الكتاب المقدس آيات كثيرة عن محاربة الشر روحيًا وجسديًا .. منها مما يتعلق بموضوعنا :

1 -  الحرب الروحية :

*   (أف 6:11-12) : "الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا...   فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا ... مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ".

*   (1 بط 5:8-9) : "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا......  رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ".

2 -  الحرب ضد الخطية والشر في السلوك :
*   (رو 12:21) : "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ ....".

*   (أم 8:13) : "مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ".

*   (1 تس 5:22) : "امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرٍّ".

3 -  محاربة الأعداء :
*  (خر 14:14) : "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ .......".

*  (تث 20:4) : "لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ سَائِرٌ مَعَكُمْ لِيُحَارِبَ عَنْكُمْ أَعْدَاءَكُمْ لِيُخَلِّصَكُمْ".

*  (مز 18:34) : "الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ، فَتَنْحَنِي بِذِرَاعَيَّ قَوْسٌ مِنْ نُحَاسٍ".

*  (مز 144:1) : "مُبَارَكٌ الرَّبُّ صَخْرَتِي، الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ وَأَصَابِعِي الْحَرْبَ".

*  (يش 1:9) : "أَمَا أَمَرْتُكَ؟ تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ! لاَ تَرْهَبْ وَلاَ تَرْتَعِبْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ".

*  (2 كو 10:3-4) : ".....  إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ".

*  (رو 13:3-4) : "فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفًا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ... لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لَكَ لِلصَّلاَحِ. وَلكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ".

 *  (1 بط 2:14) : "أَوْ لِلْوُلاَةِ فَكَمُرْسَلِينَ مِنْهُ لِلانْتِقَامِ مِنَ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَلِلْمَدْحِ لِفَاعِلِي الْخَيْرِ".

*  (أم 20:26) : "مَلِكٌ حَكِيمٌ يُشَتِّتُ الأَشْرَارَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمِ النَّوْرَجَ."

*  (تث 7:1-2) : "مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا ..... وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ".

*  (تث 20:12-13) : "وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ، بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْبًا، فَحَاصِرْهَا. وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى يَدِكَ فَاضْرِبْ ...... بِحَدِّ السَّيْفِ".

*  (قض 5:31) : "هكَذَا يَبِيدُ جَمِيعُ أَعْدَائِكَ يَا رَبُّ".

4 -  إيقاف الشر والظلم بالقوة :
*  (مز 94:16) : "مَنْ يَقُومُ لِي عَلَى الْمُسِيئِينَ؟ مَنْ يَقِفُ لِي ضِدَّ فَعَلَةِ الإِثْمِ؟".

*  (أم 24:11-12) : "أَنْقِذِ الْمُنْقَادِينَ إِلَى الْمَوْتِ، وَالْمَمْدُودِينَ لِلْقَتْلِ لاَ تَمْتَنِعْ".

*  (نح 4:14) : "لاَ تَخَافُوهُمْ بَلِ اذْكُرُوا السَّيِّدَ الْعَظِيمَ الْمَرْهُوبَ، وَحَارِبُوا مِنْ أَجْلِ إِخْوَتِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَنِسَائِكُمْ وَبُيُوتِكُمْ."