يوسف إدوارد
فى كل عصر، حاول الإنسان أن يقترب من الله بطريقته، لكنه فى أحيان كثيرة حاول أيضًا أن يُعرّفه على مقاسه العقلى البشرى. ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال: كيف نقترب من الله؟، بل أصبح: مَن الأقرب إليه؟، ومن هنا، وُلدت واحدة من أكثر الأفكار حضورًا وإثارة للتأمل: «شعب الله».

غالبًا ما يُفهم هذا المفهوم فى إطار الانتماء أو الهوية أو التاريخ. وهى معانٍ لها حضورها وأهميتها، لكنها قد لا تستوعب كل أبعاد الفكرة. فبعض المفاهيم، كلما بدت واضحة، احتاجت إلى تأمل أعمق يكشف ما وراءها، ويعيد طرحها فى سياق أكثر اتساعًا وهدوءًا.

حين ننظر إلى التجربة الإنسانية، نكتشف أن هناك قيمًا تكاد تتفق عليها البشرية، مهما اختلفت خلفياتها وثقافاتها: العدل، الرحمة، الصدق، واحترام الكرامة الإنسانية. هذه القيم لا تحتاج إلى تعريفات معقدة، بل تُفهم حين تُمارس، وتُدرك بوضوح حين تغيب. ومن هنا، يمكن أن نعيد طرح السؤال بشكل مختلف: هل «شعب الله» جماعة نُعرّفها، أم حالة نعيشها؟.

«الله لا يُختزل فى انتماء.. بل يُرى فى سلوك». بهذا المعنى، لا يعود «شعب الله» كيانًا مغلقًا، بل أفقًا إنسانيًا مفتوحًا. قد يظهر فى إنسان ينحاز للعدل والسلام دون استعراض، أو فى آخر يختار الرحمة فى موقف كان يمكن أن يبرر فيه القسوة، أو فى شخص يحافظ على الأمانة فقط. هؤلاء لا يعلنون أنهم «شعب الله»، لكن أثرهم يكشف ذلك بوضوح.

ولعل من المفيد هنا إعادة النظر فى فكرة «الاختيار». فبدلا من أن تُفهم كامتياز يمنح الأفضلية، يمكن أن تُقرأ كمسؤولية أخلاقية مستمرة.. أن تكون قريبًا من الله لا يعنى أنك فوق الآخرين، بل إنك مدعو إلى مستوى أعلى من الالتزام بما تؤمن به. «القرب من الله لا يُقاس بما نعلنه.. بل بما نمارسه».

هذا الفهم ينقل المفهوم من مساحة المقارنة إلى مساحة المراجعة، ومن سؤال «مَن الأحق؟» إلى سؤال «مَن الأكثر صدقًا مع ما يؤمن به؟»، وهنا تظهر أهمية التمييز بين الإيمان كفكرة، والإيمان كحياة. فالأفكار يمكن أن تُقال بسهولة، ويمكن الدفاع عنها ببلاغة، لكن الممارسة اليومية هى التى تمنحها معناها الحقيقى.

فى التفاصيل الصغيرة- فى العمل، فى العلاقات، فى لحظات الاختلاف- تتضح الصورة. كيف يتعامل الإنسان مع غيره؟، كيف يوازن بين مصلحته وحق الآخرين؟، كيف يتصرف حين لا يكون هناك مَن يراقب؟. «الانتماء قد يُقال.. لكن القيم فقط هى ما يُرى». فى هذه المساحات البسيطة، يتشكل المعنى الحقيقى، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من جوهر الإنسان.

ربما لا يحتاج الله إلى مَن ينتمى إليه بقدر ما يحتاج العالم إلى مَن يعكسه. هذه الفكرة، ببساطتها، تعيد ترتيب الأولويات. فالمعنى الحقيقى لأى إيمان لا يظهر فقط فى تعريفاته، بل فى أثره على حياة الناس، وفى قدرته على أن يجعل العالم أكثر عدلًا ورحمة وسلاما.

لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم: مَن هم «شعب الله»؟، بل: كيف يمكن أن نحيا بطريقة تجعل هذا المعنى أقرب إلى واقعنا؟، كيف تتحول القيم إلى مواقف؟، كيف تصبح الأمانة خيارًا يوميًا، لا مجرد فكرة؟، كيف يمارَس السلام، لا يُقال فقط؟.

قد لا نجد إجابة واحدة، وربما لا نحتاج إلى ذلك. لكننا نقترب من المعنى فى كل مرة نختار فيها ما هو أكثر إنسانية، وأكثر عدلًا، وأكثر اتساقًا مع ما نؤمن به. «شعب الله ليس مَن يُعرّف نفسه.. بل مَن يكشفه أثره».

وفى النهاية، ربما لن نجد «شعب الله» فى تعريف واحد، ولن نتفق عليه فى حدود واضحة، لكننا قد نقترب من معناه كلما اقتربنا من الإنسان. فى لحظة عدل صادقة، أو كلمة رحيمة عابرة، أو موقف اختار فيه إنسان أن يكون أفضل مما كان يمكن أن يكون، هناك يصبح المعنى أكثر وضوحًا.

وحينها، لن يكون السؤال: مَن هم شعب الله؟.

بل: هل نعيش بطريقة.. تجعل هذا المعنى ممكنًا؟.
نقلا عن المصرى اليوم