هانى لبيب
ليست المواجهة بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وبابا الفاتيكان لاون الرابع عشر خلال الأسبوع الماضى.. مجرد سجال عابر فى شريط الأخبار، وليس مجرد جدال لفظى بين زعيم سياسى ورمز دينى. ما جرى أعمق بكثير.. إنه اشتباك مباشر على من يمتلك الحق فى تعريف «الخير» داخل المجال العام، وعلى أى أساس تبنى الشرعية فى عالم يتآكل فيه الإجماع الأخلاقى. بدأ التوتر حين وجه البابا لاون الرابع عشر انتقادًا أخلاقيًا صريحًا لخطاب التصعيد العسكرى فى منطقة الخليج العربى، معتبرًا أن تهديدات تدميرية واسعة النطاق..
لا يمكن تبريرها من منظور إنسانى أو دينى. وهو موقف ليس جديدًا على تقاليد الفاتيكان، ولكنه اكتسب حساسية مضاعفة لأن البابا نفسه من أصل أمريكى، ولأن حالة السجال جاءت فى لحظة سياسية مشحونة. رد ترامب على البابا لاون.. لم يبق فى حدود نطاق الاختلاف، بل تحول إلى هجوم شخصى مباشر.. وصف فيه البابا بالضعف وسوء التقدير.
وهو ما يؤكد أن الاختلاف لم يقتصر على سياسة بعينها، بل حول شرعية المتحدث نفسه من خلال طرح سؤال شديد الحساسية حول مدى أحقية رجل دين من تقييم قرارات القوة، أم أن السياسة مجال مغلق على أصحابها؟!
القراءة التقليدية.. ترى فى هذا الاشتباك تناقضًا بين الدين والسياسة. وهى قراءة قاصرة لأن الأدق أن الصراع يدور بين نموذجين للشرعية. الأول نموذج يعتبر أن الشرعية تستمد من القدرة على الحسم وتحقيق النتائج، وهو ما يجسده ترامب. والثانى نموذج يرى أن الشرعية تبنى على الاتساق مع منظومة قيم تتجاوز اللحظة السياسية لمستقبل أفضل للإنسانية، وهو ما يمثله البابا.
المفارقة هنا، أن النموذجين لا يتجادلان داخل الإطار نفسه، بل يختلفان حول حدود هذا الإطار ذاته. وعندما يقول السياسى إن «القوة تحمى»، يرد رجل الدين بأن «العدالة تلزم». وهو ما يعنى أننا أمام لغتين لا تلتقيان، بل تتنازعان على تعريف الواقع نفسه. ما قام به ترامب لم يكن مجرد هجوم، بل محاولة لتحجيم المجال الذى يتحرك فيه البابا وتقليصه. الرسالة الضمنية واضحة.. المرجعية الدينية يجب ألا تتجاوز حدودها عندما تقترب من القرار السياسى. هذه ليست سابقة، ولكنها نادرًا ما تقال بهذا الوضوح.
فى المقابل، لم يدخل البابا فى سجال سياسى تفصيلى، بل أعاد توجيه النقاش نحو مفاهيم وقيم إنسانية مثل الظلم والتسلط. هذا التحرك لم يكن انسحابًا، بل إعادة نقل المعركة من أرض الوقائع إلى أرض المعايير التى لا يملك السياسى فيها أدوات التفوق نفسها. أخطر ما فى هذه المواجهة أنها لا تبقى فى مستوى القيادات سياسيًا ودينيًا. كلا الطرفين يخاطب بشكل مباشر أو غير مباشر الرأى العام نفسه من الجمهور الغربى الذى ينتمى غالبيته لخلفية مسيحية. وهنا يبدأ الانقسام الحقيقى. ليس بين مؤسسات، بل بين الرأى العام نفسه. الحيرة التى وقعوا فيها.. هل يتبعوا خطاب القوة باعتباره ضمانًا للأمن؟ أم ينحازوا لخطاب أخلاقى قد يبدو أقل حسمًا، ولكنه أكثر اتساقًا مع القيم الدينية؟ أنه انقسام غير معلن بوضوح، ولكنه يتراكم بشكل يجعله مع الوقت.. يتحول إلى إعادة تشكيل بطىء للولاءات.
قطعًا، دونالد ترامب يربح على المدى القصير لكونه من يحدد إيقاع الجدل، ويفرض موضوعاته، ويستفيد من بساطة رسالته وقدرتها على الانتشار. أما البابا، فيعمل ضمن سياق زمن مختلف. لا يسعى للسيطرة على الخبر، بل على تفسيره. وتأثيره الذى لا يظهر فى العناوين والمانشيتات، بل فى الكيفية التى يعاد بها.. فهم وتفسير هذه العناوين لاحقًا. بمعنى آخر، فإن ترامب يصنع الحدث، والبابا يمنحه معناه.
النتيجة الأكثر ترجيحًا ليست انتصار طرف على الطرف المقابل، بل ظهور حالة ثالثة.. تتلخص فى تفكيك المرجعية الجامعة.. لأنه إذا استمر الرأى العام فى انتقاء ما يوافق ميوله السياسية مما يقدمه الخطاب الدينى، فإن البابا.. كمصدر موحد، سيفقد تدريجيًا قدرته على التأثير والتماسك. وفى هذه الحالة، لن يهزم البابا، بل ستتحول وظيفته إلى مجرد رمز بلا سلطة فعلية وتأثير فى السلوك العام. ليس من المرجح أن نشهد تسوية حقيقية. الفجوات تتسع، وما يمكن توقعه هو استمرار التصعيد من جانب ترامب كلما احتاج إلى حشد الرأى العام، وتمسك البابا بخطاب أخلاقى عام دون التورط بالدخول فى التفاصيل السياسية، واتساع انقسام الرأى العام بدل من انحساره. وعلى المدى الطويل، قد يتحول الفاتيكان من فاعل أخلاقى «فوق السياسة» إلى طرف يحسب داخلها، وهو تحول إن حدث سيغير من التوازنات التقليدية فى النظام الدولى.
نقطة ومن أول السطر..
المواجهة بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والبابا لاون الرابع عشر.. ليست اختبار قوة بين رمزين، بل اختبار حدود بين مجالين.. السياسة حين تتمدد، والدين حين يرفض الانسحاب. فى هذه المنطقة الرمادية، لا يحسم الصراع بشكل سريع، بل يعاد صياغته مع كل تصريح. والسؤال الذى سيظل معلقًا.. ليس من انتصر، بل أى تعريف سيعتمد للخير ويصمد بعد انتهاء الضوضاء؟!.
نقلا عن المصرى اليوم





