خالد منتصر

كنت أشاهد بالصدفة لقطات من فيلم «أبي فوق الشجرة»، جذبتني بشدة مشاهد لبنان التي كانت خلفية لأغنية «جانا الهوى»، توقفت عند تلك الأغنية، وصرت أعيد وأزيد من الفرجة عليها في يوتيوب، مشاهد بديعة ورائعة وساحرة للبنان قبل الحرب، تذكرت مع صوت عبدالحليم حافظ العذب، وطلة الجميلة نادية لطفي، سويسرا الشرق، التى رصدتها عدسة ورؤية المبدع حسين كمال.

 

وكانت في الخلفية تبهجنا وتهدهدنا موسيقى بليغ حمدي، ما كل هذا الجمال لذلك البلد الذي كان، قاتل الله الطائفية، واللعنة على أي مخلب يعمل وكيلاً لدولة أخرى، وميليشيا منفذة لمطامعها، لصالح الأطماع التوسعية المبنية على أوهام عقائدية، جبال الثلج تحتضن خضرة أشجار الأرز، رقصة الدبكة وصوت فيروز ووديع الصافي، وكل قوى لبنان الناعمة،

 

رقص وسهر وفرحة، وحليم يسبح مع نادية، تغسلهما شمس بيروت الدافئة المطبطبة المحتضنة، يمران من خلال صخرة الروشة، يقفان أسفل تمثال العذراء فى حريصا، هو بالفعل سحر الطبيعة، لبنان التي كانت مقصد محمد عبدالوهاب الذي كان بقدر ما يكره السفر، يعشق لبنان بجبالها ووديانها، بالنبع وبالثلج.

 

لبنان كانت فكرة قبل أن تكون دولة، فكرة التصالح الاجتماعي، والمقصد السياحي، وأيقونة العرب التي تجمعهم على شىء واحد، وهو أن الحياة تستحق أن تعاش، أغلقت اليوتيوب على مضض، وقلبت فى القنوات الإخبارية، فإذا بى أرى مدينة موت، أطلال وخراب، وعمامات تخرج من الشاشات، لتتهم الدولة بأنها ترفض الجهاد، وتقسم على الجهاد حتى لا يظل فى لبنان فرد أو مبنى!!، هتاف يفرض نفسه، نحن كربلائيون!

 

 

المدينة التى كانت لا تنام، مظلمة، تدمع شوارعها، وتبكى بيوتها، لبنان التى كنا نطلب منها أحدث الكتب والإصدارات، صارت رفوف مكتباتها تتقبل العزاء، المكان الذى كان يلتقى فيه الثلج بالبحر، والتاريخ بالموسيقى، والفكر بالمتعة، صار يلتقى فيه الموت بالرصاص، والأشباح بالثكالى واليتامى، ما جعلها كانت مقصداً للسياح من جميع أنحاء العالم، كانت عدة عناصر،

منها التنوع الجغرافى الجبال والبحر والثلج، العمق التاريخى الهائل، مع حرية اجتماعية وثقافية مقارنة بالمنطقة، بنية سياحية متقدمة (فنادق، مطاعم، كازينوهات)، موقع استراتيجى قريب من أوروبا والعالم العربى، صعب تكرار تلك العناصر فى بلد ما، لبنان كنز تاريخى مفتوح ومتنوع، هناك بعلبك من أعظم المعابد الرومانية فى العالم، وهناك جبيل (بيبلوس) واحدة من أقدم المدن المأهولة فى التاريخ، وصور وصيدا،

موانئ الفينيقيين وأساطير التجارة والبحر، موزاييك سياحى وتاريخى رائع، كلمة الرئيس السادات ما زالت ترن فى أذنى وهو يكررها ولم نفهم مغزاها حينذاك، ارفعوا أيديكم عن لبنان، كان يوجهها لمن هم خارج لبنان، لكن النداء الآن لا بد أن يوجه للداخل، لبعض أبنائها، ارفعوا أيديكم عن بلدكم لبنان، إذا كنتم حقاً تعتبرونها بلدكم.

نقلا عن الوطن