أمينة خيرى
يُفترض ألا يتدخل رجال الدين في السياسة، لكن جرى العرف بغير ذلك، من الساسة مَن رأوا في الدين أداة طيّعة وطريقاً مختصراً نحو فرض القوة وبسط الهيمنة، فأصبح رجل دين «بارت تايم»، أي يلجأ للدين وقت الحاجة أثناء حكمه وملكه.
هذه الخلطة ليست حكراً على الشرق الأوسط، حيث لا يكتفي الدين بالتداخل والتشابك والتصارع مع السياسة، بل يدخل على الخط التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والمال والنفط والغاز والمعادن، لتصبح منطقة تعيش على صفيح ساخن كل الوقت، الخلطة موجودة في أنحاء عدة من العالم، لا سيما في العصر الحالي، الذي يمكن تسميته «عصر عودة الخلطة الجهنمية»، ولكن بمسميات ودرجات مختلفة.
حققت أوروبا نقلة كبرى في مسارها نحو التقدم ورفعة مجتمعاتها حين فصلت الكنيسة عن الدولة، لا كرهاً في الدين، ولكن كرهاً في الحروب الدينية والنزاعات الطائفية، والتي هي نتيجة مؤكدة لأي حكم ديني، أو أي حكم يخلط بين الدين والدولة، إن لم يكن اليوم فغداً.
خلط الدين بالدولة يفتح أبواب الجحيم، إذا حكم الدين، فأي دين؟ وإذا تم اختيار المعتقد والطائفة والملة، فماذا عن بقية المعتقدات والطوائف والملل؟ وإذا وقع الاختيار على الطائفة الأكثر عدداً، فما الذي يجعل الطوائف الأقل عدداً تذعن لشرائع الطائفة الأكبر؟ وإذا اختاروا الطائفة الأقوى مالاً وعتاداً، فماذا عن الطوائف الأقل حيلة؟!
أما الدولة التي تحكم بالقوانين، فالقانون لا يعرف مسلماً سنياً أو شيعياً أو مسيحياً كاثوليكياً أو بروتستانتياً أو أرثوذكسياً أو هندوسياً أو يهودياً أرثوذكسياً أو قرائياً أو محافظاً أم إصلاحياً، أو بهائياً أو درزياً أو غيرهم.
تعرف قوانين، يلتزم بها المواطنون، وتحكم بينهم وبين بعضهم، وتحدد العلاقة بينهم وبين الحكم، وتضمن الحقوق، وكذلك الواجبات، بدون تفضيل لمعتقد على حساب آخر.
حين حدَّت أوروبا من سلطة رجال الكنيسة في الشؤون الدنيوية، بدأت مسيرتها في تأسيس الدولة الحديثة، وبدلاً من الوقت والجهد والمال والجدال حول من سيدخل الجنة، ومن سيلقى مصيره في جهنم، تركوا ذلك لله، وأعادوا توجيه الوقت والجهد أثناء ساعات العمل للعمل والعلم والبحث واختراع العلاجات والأجهزة والمعدات التي تستخدمها شعوب الأرض، بما فيها تلك التي تصر على خلط الدين بالدولة.
الجانب الذي فصل بين الدين والدولة أبقى على الدين أمراً شخصياً لا يستوجب تدخل القاصي والداني فيه لتوجيهه وتصحيحه، وهنا تجدر الإشارة إلى الأحزاب المسيحية في أوروبا، ومنها ما وصل إلى الحكم، وأغلبها لم يكن يعارض العلمانية كفكرة، بل يعمل في إطار القواعد والقوانين المعمول بها، وإن كانت تدمج القيم المسيحية في برامجها السياسية والاجتماعية في مسائل تتعلق بالأسرة والضمان الاجتماعي.
هذه الأحزاب كانت تشارك في الانتخابات، وتقبل بالمكسب والخسارة، ولم تكن تلوّح بخسارة الأصوات باعتبارها خسارة للدين، وهجوماً على المتدينين، وحرباً يشنها الكفار ضد الله، كانت تلعب سياسة، شأنها كغيرها.
العصر الحالي يشهد تغيرات في المشهد. بعضها زاعق تكشفه وقائع وحوادث مثل الجدل الساخن الدائر حالياً بين الرئيس ترامب وبابا الفاتيكان «لاون»، والبعض الآخر يظهر بشكل متقطع، ولكن يعكس صعوداً لما يمكن تسميته «اليمينية الدينية» أو الدين القومي اليميني أو القومية الدينية في المشهد السياسي العالمي.
الإسلام السياسي ربما كان سباقاً في منطقتنا، وتجربته واضحة وصريحة في تفتيت دول، والإبقاء على صراعات مشتعلة أو مكتومة ومستعدة للاندلاع، وتغييب عقول الشعوب، وإمدادها بـ«أفيون» نسختها الخاصة من التدين للإبقاء عليها في حوزتها.
الآن، تنتعش وتتمدد القوميات الدينية اليمينية في الغرب لأسباب شتى، وأغلبها لا يختلف كثيراً عن أسباب تمدد الإسلام السياسي في منطقتنا، ولكن الموديل مختلف، حزمة الأسباب معقدة، وفيها خليط من المخاوف الثقافية والقلق على الهوية وبعضها ناجم من موجات الهجرة واللجوء التي غيّرت كثيراً من التركيبة الثقافية والاجتماعية والديموغرافية، ومشكلات الاقتصادي المتفاقمة، لا سيما في ظل حروب مثل أوكرانيا وغزة وإيران وما يستجد، بالإضافة إلى ردود فعل سلبية تجاه ما يسميه البعض بـ«فشل أو إخفاق الأيديولوجيات الليبرالية والديمقراطية» في مواجهة الأزمات وتحقيق مطالب الشعوب.
نشهد اليوم انتعاشاً وشعبية لهذه التوجهات «الشعبوية» التي تعتمد -كما هو حال الإسلام السياسي لدينا- على دغدغة مشاعر الناس عبر الدين، حيث يتم تمييز «مؤمنين» بأعينهم، ووضعهم في مكانة أعلى، مع التركيز على الانتماء الثقافي والخصوصية الاجتماعية، وجميعها مغلف بأغلفة دينية معضدة وداعمة.
هل يتحد العالم إذاً نحو حقبة من الدين السياسي؟ هل هي «شدة وتزول» أم ستبقى معنا لعقود وربما قرون؟ المؤشرات تقول إن صعود الشعبوية اليمينية الدينية ستكون سمة للسياسة العالمية لبعض الوقت (ربما عقود).
وسيقويها ويشد أزرها الأمن الاقتصادي المنعدم، والقلق الثقافي والرغبة في حماية الهوية، سيذهب قادة ورؤساء في الانتخابات، ويأتي آخرون، ولكن على الأرجح، ستبقى الحركة سيدة المشهد لحين إشعار آخر.
نقلا عن الوطن





