محرر الأقباط متحدون
بعد زيارته لدار المسنين في ساوريمو توجه البابا لاون الرابع عشر إلى كاتدرائية سيدة الصعود حيث توقف لفترة وجيزة للصلاة أمام القربان المقدس، لينتقل بعدها إلى الساحة الرئيسة للمدينة حيث احتفل بالقداس بحضور قرابة الثلاثين ألف مؤمن.

تخللت الاحتفال الديني عظة للحبر الأعظم استهلها بالقول: في كل جزء من العالم، تعيش الكنيسة كشعب يسير مقتفيا أثر المسيح، أخينا وفادينا: فهو، الرب القائم من بين الأموات، ينير لنا الطريق إلى الآب، وبقوة الروح يقدسنا، لكي نحول أسلوب حياتنا بحسب محبته. هذه هي البُشرى السارة، الإنجيل الذي يجري كالدم في العروق، يسندنا على طول الطريق.

مضى البابا إلى القول: عندما صار ابن الله إنسانا، قام بأعمال بليغة ليُظهر مشيئة الآب: أنار الظلمات بمنح البصر للعميان، وأعطى صوتا للمظلومين بإطلاق ألسنة الخُرس، وأشبع جوعنا إلى العدالة بتكثير الخبز للفقراء والضعفاء. من يسمع بهذه الأعمال ينطلق باحثا عن يسوع. في الوقت نفسه، رأى الرب يسوع ما في قلوبنا وسألنا هل كنا نطلبه بدافع الشكر أم بدافع المصلحة، وبدافع الحسابات أم بدافع المحبة. وأضاف البابا أن الإنجيل يبيّن لنا أن هناك دوافع خاطئة لطلب المسيح، ولا سيما عندما يُعتبر معلما روحيا أو جالب حظ. وحتى الهدف الذي سعت إليه الجموع غير مناسب: فهم لم يبحثوا عن معلم يحبونه، بل عن قائد يجلونه لمصلحتهم الخاصة.

لكن موقف يسوع منا مختلف تماما، مضى البابا يقول، فهو لا يرفض هذا البحث غير الصادق، بل يدفعه إلى التوبة. ولا يطرد الجموع، بل يدعو الجميع إلى فحص ما يخفق في قلوبنا. المسيح يدعونا إلى الحرية: لا يريد عبيدا أو زبائن، بل يطلب إخوة وأخوات يهب لهم ذاته كلها. ولكي نُجيب بإيمان على هذه المحبة، لا يكفي أن نسمع عن يسوع: من الضروري أن نقبل معنى كلامه. ولا يكفي أيضا أن نرى ما يفعله: من الضروري أن نتبعه ونقتدي بمبادرته.

تابع لاون الرابع عشر عظته بالقول: هكذا تحول تحذير الرب يسوع للجموع إلى دعوة: "لا تَعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَفْنى، بلِ اعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَبْقى فَيَصيرُ حَياةً أَبَدِيَّة". بهذه الكلمات، أشار المسيح إلى عطائه الحقيقي لنا: فهو لا يدعونا إلى إهمال خبزنا اليومي، بل العكس، يضاعفه بوفرة ويعلمنا أن نطلبه في الصلاة. إنه يربينا على الطريقة الصحيحة لطلب خبز الحياة، الطعام الذي يسندنا إلى الأبد. وهكذا تجد رغبة الجموع جوابا أعظم وأعجب: فالمسيح لا يعطينا طعاما يفنى، بل خبزا لا يجعلنا نفنى، لأنه طعام الحياة الأبدية.

مضى البابا إلى القول: إننا نرى اليوم أن كثيرا من رغبات الناس تُحبَط بفعل العنف، وتُستغل من قبل المتسلطين، وتُخدع بفتنة الغنى. عندما يُفسد الظلم القلوب، يصير خبز الجميع مُلكا لقلة من الناس. أمام هذه الشرور، المسيح يصغي إلى صراخ الشعوب ويجدد تاريخنا: ينهض بنا من كل سقوط، ويعزينا في كل ألم، ويشجعنا في الرسالة. هذا هو الإنجيل الذي نعلنه، فنجعل جميع شعوب الأرض إخوة. هذا هو الإعلان الذي يحول الخطيئة إلى مغفرة. هذا هو الإيمان الذي يخلص الحياة!

هذا ثم قال البابا إن الشهادة الفصحية تمَسُّ المسيح، المصلوب الذي قام من بين الأموات، ولكنها لذلك تمَسُّنا نحن أيضا: ففي المسيح يرتفع صوت إعلان قيامتنا. نحن لم نأتِ إلى العالم لنموت. ولم نولد لنصير عبيدا لا لفساد الجسد ولا لفساد النفس: فكل شكل من أشكال الظلم والعنف والاستغلال والكذب ينكر قيامة المسيح، التي هي عطية حريتنا الأسمى. وهذا التحرير من الشر والموت لا يحدث فقط في نهاية الأزمنة، بل في تاريخ كل يوم.

وأضاف البابا أن المسيرة الكنسية، في اتباع يسوع، هي دائما "سينودس القيامة والرجاء" كما أكد القديس البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي لأفريقيا: لنواصل في هذا الاتجاه الحكيم! ومع الإنجيل في القلب، سيكون لديكم شجاعة أمام الصعاب وخيبات الأمل: فالطريق التي فتحها الله لنا لن تزول أبدا. الرب يسوع يسير دائما بخطانا، لكي نستطيع أن نتابع طريقه: المسيح نفسه يمنح الاتجاه والقوة للمسيرة، مسيرة نريد أن نتعلم أن نعيشها أكثر فأكثر كما يجب، أي مسيرة سينودسية.

ختاما قال البابا لاون الرابع عشر إن شهادة الشهداء والقديسين تشجعنا وتحثنا على مسيرة الرجاء والمصالحة والسلام، حيث تصير عطية الله التزام الإنسان في العائلة، وفي الجماعة المسيحية، وفي المجتمع المدني. وإذ نسير فيها معا، على ضوء الإنجيل، ستنمو الكنيسة في أنغولا بحسب تلك الخصوبة الروحية التي تنطلق من الإفخارستيا وتستمر في الاهتمام الشامل بكل إنسان وبكل الشعب.