أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوس...
هِيَ جَسَدٌ حَيٌّ، لَيْسَ مُجَرَّدَ تَجَمُّعٍ بَشَرِيٍّ،
تَضُمُّ مَا يَقْرُبُ مِنْ مِلْيَارَيْ نَسَمَةٍ،
وَلَكِنَّهَا، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ عَدَدًا، بَلْ سِرًّا إِلَهِيًّا عَجِيبًا.
هِيَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ الجَنْبِ المَطْعُونِ،
مِنْ حَيْثُ انْسَكَبَ الدَّمُ وَالمَاءُ،
عَلَامَةُ الحَيَاةِ وَالخَلَاصِ،
وَهِيَ الَّتِي تُقَادُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ،
وَمَبْنِيَّةٌ عَلَى الصَّخْرِ الَّذِي لَا يَتَزَعْزَعُ.
وَعَلَى هَذَا الوَعْدِ الإِلَهِيِّ الثَّابِتِ تَقِفُ:
«أَبْوَابُ الجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا»،
لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِ الإِنْسَانِ،
بَلْ مِنْ عَمَلِ اللهِ وَتَدْبِيرِهِ.
وَمَعَ ذَلِكَ،
فَهِيَ تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا إِنْسَانًا ضَعِيفًا،
فِيهَا الإِكْلِيرُوسُ وَالعِلْمَانِيُّونَ، وَالرُّهْبَانُ وَالرَّاهِبَاتُ،
فِيهَا القَادَةُ وَالخُدَّامُ،
وَفِيهَا أَيْضًا كُلُّ المُتَنَاقِضَاتِ الَّتِي نَعِيشُهَا.
نَحْنُ نَعِيشُ فِي عَالَمٍ مَمْلُوءٍ بِالمُتَنَاقِضَاتِ؛
بَيْنَ العَالِمِ وَالبَسِيطِ، وَبَيْنَ الجَاهِلِ وَالفَهِيمِ،
بَيْنَ الغَيُورِ وَالمُعَقَّدِ، وَبَيْنَ المُتَسَلِّطِ وَالخَادِمِ،
بَيْنَ الأَمِينِ وَالخَائِنِ، وَبَيْنَ الصَّادِقِ وَالكَاذِبِ،
بَيْنَ المُكَافِحِ وَالمُتَمَلِّقِ، وَبَيْنَ الصَّرِيحِ وَالأَفَّاقِ،
بَيْنَ الأَمِينِ وَاللِّصِّ،
وَبَيْنَ العَدْلِ وَالظُّلْمِ، وَالحَقِّ وَالبَاطِلِ،
بَيْنَ نُورٍ يُنِيرُ الطَّرِيقَ، وَظُلْمَةٍ تُرْبِكُ الخُطَى.
وَفِي دَاخِلِ الإِنْسَانِ نَفْسِهِ،
يَتَصَارَعُ الحُبُّ مَعَ الكَرَاهِيَةِ،
وَيَتَجَاذَبُهُ السَّلَامُ وَالحَرْبُ،
وَيَقِفُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالكَذِبِ،
بَيْنَ الأَمَانَةِ وَالخِيَانَةِ،
كَأَنَّهُ مِيزَانٌ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ.
نَرَى القُوَّةَ وَهِيَ تُخْفِي ضَعْفًا،
وَنَلْمَحُ الضَّعْفَ وَهُوَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ قُوَّةً خَفِيَّةً،
فَلَا كُلُّ غِنًى سَعَادَةٌ، وَلَا كُلُّ فَقْرٍ شَقَاءٌ،
وَلَا كُلُّ ضَحِكٍ فَرَحٌ، وَلَا كُلُّ بُكَاءٍ حُزْنٌ.
بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ سِرٌّ عَجِيبٌ،
وَبَيْنَ البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ حِكْمَةٌ،
وَفِي الحُضُورِ شَوْقٌ، وَفِي الغِيَابِ حَنِينٌ،
وَبَيْنَ القُرْبِ وَالبُعْدِ تُخْتَبَرُ القُلُوبُ وَتَتَكَوَّنُ العَلَاقَاتُ.
وَفِي العَالَمِ الرُّوحِيِّ،
نَقِفُ بَيْنَ القَدَاسَةِ وَالخَطِيئَةِ،
بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ،
بَيْنَ الإِيمَانِ وَالشَّكِّ،
نَخْتَارُ كُلَّ يَوْمٍ الطَّرِيقَ:
إِمَّا نَحْوَ النُّورِ، أَوْ نَحْوَ الظُّلْمَةِ.
وَبَيْنَ العَطَاءِ وَالأَخْذِ،
وَبَيْنَ الكَرَمِ وَالبُخْلِ،
وَبَيْنَ التَّضْحِيَةِ وَالأَنَانِيَّةِ،
يُقَاسُ جَوْهَرُ الإِنْسَانِ، وَتُكْشَفُ حَقِيقَتُهُ.
وَهُنَا يَظْهَرُ السِّرُّ العَجِيبُ:
أَنَّ الكَنِيسَةَ، رَغْمَ كُلِّ هَذِهِ المُتَنَاقِضَاتِ فِي أَعْضَائِهَا،
تَبْقَى مُقَدَّسَةً، لَا بِبَرَارَةِ الإِنْسَانِ،
بَلْ بِحُضُورِ اللهِ فِيهَا.
فَهِيَ مِثْلُ سَفِينَةٍ فِي بَحْرٍ مُضْطَرِبٍ،
تَحْمِلُ ضُعَفَاءَ وَخُطَاةً،
وَلَكِنَّهَا مَقُودَةٌ بِيَدٍ إِلَهِيَّةٍ لَا تَغْرَقُ.
لَيْسَ العَالَمُ أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ كَمَا نَظُنُّ،
بَلْ هُوَ مَسَاحَةٌ بَيْنَ المُتَنَاقِضَاتِ،
وَفِي هَذِهِ المَسَاحَةِ تَعْمَلُ النِّعْمَةُ، وَيَتَجَلَّى الخَلَاصُ،
مِنْ خِلَالِ مَحَبَّةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ،
وَعِلْمِهِ السَّابِقِ بِعُمْقِ الإِنْسَانِ وَجِرَاحِهِ،
وَبِضَعْفِهِ وَأَسْرَارِ نَفْسِيَّتِهِ،
وَبِمُكَوِّنَاتِهِ الوِرَاثِيَّةِ، وَتَأْثِيرَاتِ التَّرْبِيَةِ المُجْتَمَعِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ،
سَوَاءٌ فِي الحِرْمَانِ أَوْ فِي التَّنَعُّمِ.
فَاللهُ هُوَ حَامِي الكَنِيسَةِ وَمُؤْمِنِيهَا،
وَحَافِظُ كُلِّ مَا فِيهَا مِنْ قَادَةٍ وَخُدَّامٍ.
فَاخْتِيَارُكَ هُوَ الَّذِي يُعَرِّفُكَ،
وَطَرِيقُكَ هُوَ الَّذِي يَكْشِفُ حَقِيقَتَكَ،
لِأَنَّكَ، وَأَنْتَ فِي وَسَطِ هَذِهِ المُتَنَاقِضَاتِ،
مَدْعُوٌّ لَا أَنْ تَتَشَتَّتَ، بَلْ أَنْ تَثْبُتَ.
فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ نُورًا فِي الكَنِيسَةِ وَالعَالَمِ،
وَإِمَّا أَنْ تَبْقَى ظِلًّا يَتَلَاشَى فِي العَتَمَةِ.
✍️
أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوس...





