بقلم نادية هنري
نائب برلماني سابق


تُعد قضايا الأحوال الشخصية من أكثر القضايا التصاقًا بالحياة اليومية للمواطنين، إذ تمسّ تفاصيل دقيقة في الزواج والطلاق والنفقة وحضانة الأطفال. ومع طرح قوانين خاصة بالأحوال الشخصية لغير المسلمين، يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن لهذه القوانين أن تنهي فعليًا الأزمات التي يعيشها الناس، أم أنها تعالج جزءًا من المشكلة وتترك جذورها قائمة؟

في الواقع، لا يمكن إنكار أن وجود قانون منظم لغير المسلمين يمثل خطوة إيجابية نحو تقنين الأوضاع، خاصة في ظل ما عاناه البعض من غياب إطار واضح يحكم بعض الحالات. فالقانون قد يسهم في توضيح إجراءات الطلاق، وتنظيم مسائل النفقة، وتحديد قواعد الحضانة، بما يخفف من حالة الارتباك القانوني، ويوفر مرجعية أوضح للأحكام القضائية.

لكن عند الاقتراب من الواقع اليومي، تتكشف أبعاد أعمق للمشكلة. فليست كل الأزمات ناتجة عن غياب القانون، بل عن طبيعته وحدوده. فكم من زوجة تعيش في علاقة مؤذية، لكنها لا تستطيع إنهاءها بسبب قيود صارمة في شروط الطلاق، فتظل لسنوات في حالة “تعليق” بلا أفق واضح؟ وكم من شاب وفتاة من ديانتين مختلفتين يجدان نفسيهما أمام طريق مسدود، فيضطر أحدهما لتغيير ديانته شكليًا فقط لإتمام الزواج؟ وكم من أسرة تدخل في نزاعات طويلة بسبب غموض في إثبات الطلاق أو اختلاف في تفسيره؟

هذه النماذج ليست استثناءات، بل تعبير عن واقع يعيشه كثيرون، ويكشف أن المشكلة تتجاوز النصوص إلى بنية النظام القانوني نفسه. فعندما تختلف القواعد المنظمة للحياة الأسرية باختلاف الديانة، يصبح القانون—بدلًا من أن يكون أداة لتحقيق العدالة—سببًا في تعقيدها.

ولا يمكن إغفال ما يحيط ببعض القضايا من جدل مستمر، مثل مسألة الاعتداد بالطلاق غير الموثق، وما يترتب عليها من نزاعات تمس حقوق المرأة والأطفال. ففي غياب آليات واضحة وموحدة، تبقى هذه القضايا عرضة لاجتهادات متباينة، ما يفاقم حالة عدم اليقين ويزيد من معاناة الأسر.

من هنا، يمكن القول إن قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، رغم أهميته، لا يمثل حلًا كاملًا لهذه المشكلات، بل هو خطوة ضمن مسار إصلاحي أوسع. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين احترام الخصوصيات الدينية، وضمان وجود إطار قانوني مدني عادل ينظم العلاقات الأسرية على أسس واضحة.

وهنا نصل إلى نقطة جوهرية: إذا كنا نؤكد أننا نسعى إلى بناء “دولة مدنية”، فهل يكفي ذلك في الخطاب، أم يجب أن ينعكس بوضوح في التشريعات؟ إن الدولة المدنية، بطبيعتها، تقوم على فكرة المواطنة والمساواة، وعلى تغليب المشترك الإنساني العام، لا تقسيم المواطنين على أساس ديني في القوانين التي تنظم حياتهم اليومية.

ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:
هل وجود قوانين مختلفة للأحوال الشخصية يعزز التعايش بين المواطنين، أم أنه—عن غير قصد—يكرّس الانقسام ويعمّق الفوارق بينهم؟

في هذا السياق، يبرز طرح الفصل بين الزواج الديني والزواج المدني كأحد الحلول التي تستحق النقاش المجتمعي الهادئ. فهذا التصور لا يلغي البعد الديني، بل يحفظه في مجاله، بينما يضمن أن تكون الآثار القانونية—مثل الطلاق والنفقة والحضانة—خاضعة لقواعد مدنية واضحة تنطبق على الجميع، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والاستقرار.

إن معالجة هذه القضايا لا تتطلب فقط تعديل نصوص، بل تستدعي رؤية شاملة تنطلق من واقع المجتمع وتستجيب لتحدياته. فاستقرار الأسرة هو أساس استقرار المجتمع، وأي إصلاح حقيقي يجب أن يضع في اعتباره حماية الإنسان وكرامته قبل أي اعتبارات أخرى.

وفي الختام، يمكن التأكيد على أن القانون، بصيغته الحالية، قد يخفف من حدة بعض المشكلات، لكنه لن يقضي عليها بالكامل. ويبقى الأمل في حوار مجتمعي واسع يقود إلى تطوير تشريعي أعمق، يحقق العدالة، ويصون حقوق جميع المواطنين، ويؤسس لحياة أسرية أكثر استقرارًا وإنصافًا.