الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...
2 ـ المَقَالُ الثَّانِي:
ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11).
ما الَّذي كَتَبَهُ الرَّبُّ يَسوعُ بِإِصبَعِهِ عَلَى الأَرضِ عِندَما أَتَوا إِلَيهِ بِالمَرأَةِ الزَّانِيَةِ وَأَرادوا أَن يَحكُمَ عَلَيها بِالرَّجمِ؟
الآنَ نَعْرِضُ ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11).
وَبَعْدَ أَنْ عَرَضْنَا فِي الْمَقَالِ السَّابِقِ أَوَّلًا: تَحْلِيلُ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إِنْجِيلُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ كَمَا كَتَبَهُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا، الإِصْحَاحُ الثَّامِنُ، مِنَ الآيَةِ الأُولَى إِلَى الآيَةِ الحَادِيَةِ عَشَرَ (يُو ٨: ١–١١).
1 أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ.
2 ثُمَّ حَضَرَ أَيْضًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي الصُّبْحِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الشَّعْبِ فَجَلَسَ يُعَلِّمُهُمْ.
3 وَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِنًا. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسْطِ
4 قَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ،
5 وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟»
6 قَالُوا هَذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ.
7 وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!»
8 ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ.
9 وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ.
10 فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَدًا سِوَى الْمَرْأَةِ، قَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟»
11 فَقَالَتْ: «لاَ أَحَدَ، يَا سَيِّدُ!» فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلَا تُخْطِئِي أَيْضًا».
يَسوعُ وَالمَرأَةُ الزَّانِيَةُ وَالمُشتَكونَ عَلَيها:
المُقَدِّمَةُ:
هذا المقطع (يوحنّا ٨: ١–١١) يُعرَف غالبًا بـ قِصَّةِ المَرْأَةِ الزَّانِيَةِ، وفيه يَظْهَرُ حِوارٌ عَميقٌ بين الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ وَالكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ، وَيُظهِرُ مَبْدَأَ الرَّحْمَةِ وَعَدَمَ الإِدانَةِ.
مُلَخَّصُ الإِصْحَاحِ الثَّامِنِ (١–١١):
تَوجَّهَ يَسُوعُ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الهَيْكَلِ وَبَدَأَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ.
أَحْضَرَ الكَتَبَةُ وَالفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمسِكَتْ فِي زِنًا، وَوَقَفُوهَا فِي الوَسَطِ.
قَالُوا لِيَسُوعَ: الشَّرِيعَةُ تَأْمُرُ بِرَجْمِ مِثْلِ هَذِهِ، فَمَا رَأْيُكَ؟
كَانُوا يُجَرِّبُونَهُ لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شَكْوَى.
انْحَنَى يَسُوعُ وَبَدَأَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ بِإِصْبَعِهِ، دُونَ أَنْ يُجِيبَ فَوْرًا.
لَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ، قَالَ جُمْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ:
«مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ».
بَدَأَ الجَمِيعُ يَخْرُجُونَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ بِالأَكْبَرِ.
بَقِيَ يَسُوعُ وَالْمَرْأَةُ وَحْدَهُمَا.
قَالَ لَهَا: «أَيْنَ هُمْ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟»
أَجَابَتْ: «لا أَحَدَ يَا سَيِّدُ».
فَقَالَ: «وَلا أَنَا أَدِينُكِ، اذْهَبِي وَلا تُخْطِئِي أَيْضًا».
الفِكْرَةُ الرَّئِيسِيَّةُ:
المَسِيحُ لا يُنْكِرُ الخَطِيَّةَ، لَكِنَّهُ يَفْتَحُ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَيُحَذِّرُ مِنَ الإِدَانَةِ الأُحَادِيَّةِ لِلآخَرِينَ.
ثانِيًا: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11)
بَعدَ دِراسَةِ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11) نَستَنتِجُ أَنَّهُ يَتمَحْوَرُ حَولَ نُقطَتَينِ:
النُّقطَةُ الأُولى: إِدانَةُ الزِّنى وَرَحمَةُ السَّيِّدِ المَسيحِ لِلمَرأَةِ الزّانِيَةِ.
(1) إِدانَةُ الزِّنى:
فَالزِّنى هُوَ فِعلٌ يُنهِكُ حُرمَةَ تابِعيَّةِ المَرأَةِ لِرَجُلِها أَو خَطيبِها، "وأَيُّ رَجُلٍ زَنى بِامرَأَةِ رَجُلٍ (الَّذي يَزني بِامرَأَةِ قَريبِهِ)، فَليُقتَلِ الزَّاني والزَّانِيَة" (الأَحبار 20: 10)؛ لِذا حُرِّمَ تَحريمًا باتًّا كَما جاءَ في الوَصايا العَشرِ "لا تَزْنِ" (خُروج 20: 14)؛ إِذ إِنَّ الرَّجُلَ وَالمَرأَةَ، هِيَ وَهُوَ، واحِدًا في أَمانَةٍ مُتَبادَلَةٍ كَما جاءَ في سِفرِ التَّكوينِ:
"قالَ الإِنسانُ: هذِهِ المَرَّةَ هِيَ عَظْمٌ مِن عِظامي وَلَحْمٌ مِن لَحْمي... فَيَصيرانِ جَسَدًا واحِدًا" (تَكوين 2: 23-24).
وَقَد أَدانَ الحُكماءُ التَّرَدُّدَ عَلى المومِساتِ:
"لا تَلقَ المَرأَةَ البَغِيَّ لِئَلّا تَقَعَ في أَشراكِها" (سيراخ 9: 3).
وَلَم يَتَرَدَّدِ السَّيِّدُ المَسيحُ أَيضًا في إِدانَةِ خَطيئَةِ الزّانِيَةِ، إِذ كَشَفَ عَن كُلِّ أَبعادِ الأَمانَةِ الزَّوجِيَّةِ:
"سَمِعْتُم أَنَّه قيل: لا تَزْنِ، أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن نظَرَ إِلى امرأَةٍ بِشَهْوَة، زَنى بِها في قَلبِه" (متى 5: 27-28).
فَالزِّنى ضِدُّ قانُونِ الخالِقِ، وَيَحتَلُّ المَرتَبَةَ الأُولى في "أَعمالِ الجَسَد" (غَلاطِيَّة 5: 19).
وَانْطِلَاقًا مِنْ هَذَا الْمَبْدَإِ يَزْنِي بِالْقَلْبِ مَنْ يَشْتَهِي الِاقْتِرَانَ بِغَيْرِ قَرِينَتِهِ.
فَالزِّنَى هُوَ ضِدَّ قَانُونِ الْخَالِقِ الْعَادِلِ وَالْمُقَدَّسِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِسَعَادَةِ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ (خُرُوج 20: 14)، وَيَحْتَلُّ الزِّنَى الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى فِي "أَعْمَالِ الْجَسَدِ" (غَلَاطِيَّة 5: 19).
وَبَيَّنَ يَسُوعُ أَيْضًا أَنَّ الزَّوَاجَ يَرْبِطُ الزَّوْجَيْنِ بِرِبَاطٍ غَيْرِ قَابِلٍ لِلِانْفِصَامِ فَلَا "يَكُونَانِ اثْنَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَمَا جَمَعَهُ اللَّهُ فَلَا يُفَرِّقَنَّهُ الْإِنْسَانُ" (مَتَّى 19: 6). وَمِنْ هُنَا جَاءَ تَعْلِيمُ الْقِدِّيسِ بُولُسَ الرَّسُولِ "لِيَكُنِ الزَّوَاجُ مُكَرَّمًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَلْيَكُنِ الْفِرَاشُ بَرِيئًا مِنَ الدَّنَسِ، فَإِنَّ الزُّنَاةَ وَالْفَاسِقِينَ سَيَدِينُهُمُ اللَّهُ"(عِبْرَانِيِّينَ 13: 4).
لِذَا تَحْرِمُ خَطِيئَةُ الزِّنَى دُخُولَ الْمَلَكُوتِ "أَمَّا تَعْلَمُونَ أَنَّ الْفُجَّارَ لَا يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللَّهِ؟"(1 قُورِنْتُس 6: 9)، وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْإِدَانَاتِ تُسَلِّطُ كَلِمَةُ اللَّهِ الضَّوْءَ عَلَى الْأَمَانَةِ الزَّوْجِيَّةِ، الَّتِي هِيَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ ثَمَرَةُ الْحُبِّ وَشَرْطُهُ. أَدَانَ يَسُوعُ خَطِيئَةَ الزَّانِيَةِ وَالْعِقَابَ النَّابِعَ مِنْ دَيْنُونَتِهِ الْعَادِلَةِ، وَلَكِنْ بِرَحْمَتِهِ خَلَّصَ الْمَرْأَةَ الزَّانِيَةَ وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهَا. إِنَّهُ يَرْحَمُ وَلَا يَرْجُمُ، بَلْ أَدَانَ مَنْ يَحْكُمُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالْكَتَبَةِ بِقَوْلِهِمْ “إِنَّ هذِهِ الْمَرْأَةَ أُخِذَتْ فِي الزِّنَى الْمَشْهُودِ "(يُوحَنَّا 8: 4). فَقَدْ عَامَلَهُمْ بِالْعَدْلِ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَعَامَلَهَا بِالرَّحْمَةِ.
(2) عدل يسوع تجاه الفريسيين:
خانت المرأة الزانية زوجها، وبموجب الشريعة الموسوية، تستحق الموت رجماً "أَيُّ رَجُلٍ زَنى بِآمرَأَةِ رَجُل (الَّذي يَزْني بِآمرَأَةِ قَريبِه)، فلْيُقتَلِ الزَّاني والزَّانِيَة"(احبار 20: 10).
تجاهل رؤساء اليهود الشريعة إذ احضروها بدون الرجل. وقد طالبت الشريعة برجم كلا الطرفين. ولكنهم استخدموا المرأة الزانية فخا لاصطياد يسوع. فلو قال الاَّ تُرجم لأمسكوه بسبب انتهاكه لشريعة موسى.
ولو حثَّهم على رجمها لشكوه الى الرومان الذين لا يسمحون لليهود بتنفيذ حكم الإعدام بأنفسهم. كما لم يهمّهم أبدًا أمر المرأة بأنها أُخِذت في زنىً! لقد أرادوها فقط مصيدةً ليسوع. "فانحنَى يسوعُ يَخُطُّ بِإِصبَعِه في الأَرض"(يوحنا 8: 6).
صمت يسوع المسيح: هذا الصمت والكتابة في التراب غايتان:
الأولى:
هي تسكين روع المرأة الزانية وإعطاؤها شعورا بالثقة.
والثانية:
هي رغبة يسوع في أن يُساعد خصومها وخصومه على الدخول إلى أعماق ذواتهم كي يكشفوا صورة نفوسهم الملوّثة بالخطيئة ويُقنعهم بصمته أن الخاطئ لا يجوز له ان يرجم خاطئا مثله.
ولمّا الحُّوا عليه ان يحكم عليها، اتخذ موقف العدل تجاه من حكموا عليها، وموقف الرحمة تجاه المرأة الزانية. فلم يحكم عليها فحسب، بل أعادهم الى ضميرهم بقوله "مَن كانَ مِنكُم بلا خَطيئة" أي انظروا في داخل نفوسكم، قبل إصدار أحكام قاسية. عندئذٍ "انصَرَفوا واحِداً بَعدَ واحِد يَتَقدَّمُهم كِبارُهم سِناًّ" (يوحنا 8: 11).
ارتدَّ حكم الفريسيين المرائين عليهم: إذ ما من أحد قد يرجم نفسه بحجر. ادان يسوع الفريسيين والكتبة حين اعترفوا بخطاياهم، وذلك بانسحابهم الواحد تلو الآخر. إذ إن الفريسيين المرائين ينكرون رحمة الله ويُحبون أن يحكموا على الآخرين ويفرحون بأخطائهم ويعتقدون أنهم ينقذون الحقيقة برجم الخاطئين بحيث تصبح القوانين والشرائع حجارًا لرجم الآخرين. وفي هذا الصدد كتب القديس أمبروسيوس: "حيث تكون الرحمة يكون الله؛ وأمَّا حيث تكون القساوة والتصلب والحكم فربما تجدون خدام الله ولكنكم لن تجدوا الله"؛ لان الرب لا يحتمل المنافقين والمرائين، ذوي الأقنعة والقلوب المزدوجة كما لا يحتمل الذين يتَّهمون الآخرين ويحاكمونهم؛ لأن جوهر المسيحية هو المصالحة بين الله والإنسان، وبالتالي يسوع يحارب قلب المرائين المتحجّر والقاسي.
إن انتهاك حياة شخص آخر، مذنبًا كان أم بريئًا، بالحجارة أو بالسلطة هو رفض لله الذي يقيم في هؤلاء الأشخاص الزناة والخطأة. أظهر الكتبة والفريسيون بتصرفهم هذا أنهم غيورون ضد الخطيئة، لكن ظهر أنهم هم أنفسهم ليسوا متحرِّرين منها، كانوا كما وصفهم السيد المسيح ممتلئون من الداخل نجاسة "الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون، فإِنَّكم أَشبَهُ بِالقُبورِ المُكَلَّسَة، يَبدو ظاهِرُها جَميلاً، وأمَّا داخِلُها فمُمتَلِئٌ من عِظامِ المَوتى وكُلِّ نَجاسَة. وكَذَلِك أَنتُم، تَبدونَ في ظاهِرِكُم لِلنَّاسِ أَبراراً، وأمَّا باطِنُكُم فَمُمتَلِئٌ رِياءً وإِثماً"(متى 23: 27-28).
لم يتحاشى السيد المسيح الشبكة التي نصبوها له، وإنما سمح لهم أن يسقطوا في ذات الشبكة، إذ شعروا بالعارٍ أمام الجمع. ولم يستطيعوا تنفيذ الناموس، ولم يوجد أحد منهم مستحقًا أن يرفع أول حجرٍ يلقيه بها المرأة الزانية. "انصَرَفوا واحِداً بَعدَ واحِد يَتَقدَّمُهم كِبارُهم سِناًّ"(يوحنا 8: 9). فقد حوَّل السيد المسيح أنظارهم من التطلع إلى تصرفات المرأة الزانية أو من انتظار الحكم عليها إلى ضمائرهم الداخلية، ليروا الفساد الداخلي، لعلهم يتوبون ويرجعون إلى الله. لقد اكتشفوا فسادهم، وبدلًا من الاعتراف به وقبول مشورة طبيب النفوس هربوا كما حدث في معركة داود ضد بشالوم "فأَنَّقَلَبَ النَّصرُ في ذلِكَ اليَومِ إِلى مَناحَةٍ عِندَ كُلِّ الشَّعْب" (2 صموئيل 19: 3).
كل ما فعلوه أنهم خشوا الفضيحة والعار فهربوا لا إلى المسيح مُخلصهم، بل إلى خارج المسيح حتى لا يفضحهم نوره. إن كلمات يسوع وتصرفاته تُزيل الأحكام المسبّقة، لأنه برحمته يقودنا أبعد من الأحكام الأخلاقية، فهو يطلب من العين الاَّ ترى الخطيئة في الآخر بل أن ترى النور فيه. فمن يدين أخاه يُدان، وبالحكم الذي يَحكم به على الغير يُحكم عليه "لا تَدينوا فَلا تُدانوا. لا تَحكُموا على أَحَدٍ فلا يُحكَمَ علَيكم" (لوقا 6: 37)، لان الحكم لله كما يقول القديس بولس الرسول " فلا تَدينوا أَحَدًا قَبْلَ الأَوان، قَبلَ أَن يَأتِيَ الرَّبّ، فهو الَّذي يُنيرُ خَفايا الظُّلُمات ويَكشِفُ عن نِيَّاتِ القُلوب، وعِندَئِذٍ يَنالُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ اللهِ ما يَعودُ علَيه مِنَ الثَّناء. (1 قورنتس 4: 5).
وبعد ان حارب يسوع الشر في اللذين استعبدهم الشر، اهتم بالذين اعتبرهم المجتمع خاطئين وأولهم المرأة الزانية ونستنتج مما سبق ان هناك تعارض بين تصرف الكتبة والفريسيين من جهة وتصرف يسوع من جهة أخرى. فالكتبة والفريسيون يريدون الحكم على المرأة لأنهم يعتبرون أنفسهم حماة الشريعة والعدالة وتطبيقها بأمانة، فيدعوهم يسوع إلى إدراك كونهم بشرا خطأة، لا يمكنهم منح أنفسهم حق البت في حياة أو موت مَن هم مثلهم. أمَّا يسوع فيريد أن يخلِّصها، لأنه يجسد رحمة الله الذي بالمغفرة يفدي وبالمصالحة يُجدد.
(2) عَدْلُ يَسُوعَ تِجَاهَ الْفَرِّيسِيِّينَ:
خَانَتِ الْمَرْأَةُ الزَّانِيَةُ زَوْجَهَا، وَبِمُوجِبِ الشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ، تَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ رَجْمًا "أَيُّ رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةِ رَجُلٍ (الَّذِي يَزْنِي بِامْرَأَةِ قَرِيبِهِ)، فَلْيُقْتَلِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ"(أَحْبَار 20: 10).
تَجَاهَلَ رُؤَسَاءُ الْيَهُودِ الشَّرِيعَةَ إِذْ أَحْضَرُوهَا بِدُونِ الرَّجُلِ. وَقَدْ طَالَبَتِ الشَّرِيعَةُ بِرَجْمِ كِلَا الطَّرَفَيْنِ. وَلَكِنَّهُمْ اسْتَخْدَمُوا الْمَرْأَةَ الزَّانِيَةَ فَخًّا لِاصْطِيَادِ يَسُوعَ. فَلَوْ قَالَ أَلَّا تُرْجَمَ لَأَمْسَكُوهُ بِسَبَبِ انْتِهَاكِهِ لِشَرِيعَةِ مُوسَى.
وَلَوْ حَثَّهُمْ عَلَى رَجْمِهَا لَشَكَوْهُ إِلَى الرُّومَانِ الَّذِينَ لَا يَسْمَحُونَ لِلْيَهُودِ بِتَنْفِيذِ حُكْمِ الْإِعْدَامِ بِأَنْفُسِهِمْ. كَمَا لَمْ يَهُمَّهُمْ أَبَدًا أَمْرُ الْمَرْأَةِ بِأَنَّهَا أُخِذَتْ فِي زِنًى! لَقَدْ أَرَادُوهَا فَقَطْ مَصِيدَةً لِيَسُوعَ. "فَانْحَنَى يَسُوعُ يَخُطُّ بِإِصْبَعِهِ فِي الْأَرْضِ"(يُوحَنَّا 8: 6).
صَمْتُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: هَذَا الصَّمْتُ وَالْكِتَابَةُ فِي التُّرَابِ غَايَتَانِ:
الأُولَى:
هِيَ تَسْكِينُ رَوْعِ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ وَإِعْطَاؤُهَا شُعُورًا بِالثِّقَةِ.
وَالثَّانِيَةُ:
هِيَ رَغْبَةُ يَسُوعَ فِي أَنْ يُسَاعِدَ خُصُومَهَا وَخُصُومَهُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى أَعْمَاقِ ذَوَاتِهِمْ كَيْ يَكْشِفُوا صُورَةَ نُفُوسِهِمُ الْمُلَوَّثَةِ بِالْخَطِيئَةِ وَيُقْنِعَهُمْ بِصَمْتِهِ أَنَّ الْخَاطِئَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجُمَ خَاطِئًا مِثْلَهُ.
وَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا، اتَّخَذَ مَوْقِفَ الْعَدْلِ تِجَاهَ مَنْ حَكَمُوا عَلَيْهَا، وَمَوْقِفَ الرَّحْمَةِ تِجَاهَ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ. فَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهَا فَحَسْبُ، بَلْ أَعَادَهُمْ إِلَى ضَمِيرِهِمْ بِقَوْلِهِ "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيئَةٍ" أَيْ انْظُرُوا فِي دَاخِلِ نُفُوسِكُمْ، قَبْلَ إِصْدَارِ أَحْكَامٍ قَاسِيَةٍ. عِنْدَئِذٍ "انْصَرَفُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ يَتَقَدَّمُهُمْ كِبَارُهُمْ سِنًّا" (يُوحَنَّا 8: 11).
ارْتَدَّ حُكْمُ الْفَرِّيسِيِّينَ الْمُرَائِينَ عَلَيْهِمْ: إِذْ مَا مِنْ أَحَدٍ قَدْ يَرْجُمُ نَفْسَهُ بِحَجَرٍ. أَدَانَ يَسُوعُ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالْكَتَبَةَ حِينَ اعْتَرَفُوا بِخَطَايَاهُمْ، وَذَلِكَ بِانْسِحَابِهِمُ الْوَاحِدِ تِلْوَ الْآخَرِ. إِذْ إِنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ الْمُرَائِينَ يُنْكِرُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَيُحِبُّونَ أَنْ يَحْكُمُوا عَلَى الْآخَرِينَ وَيَفْرَحُونَ بِأَخْطَائِهِمْ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يُنْقِذُونَ الْحَقِيقَةَ بِرَجْمِ الْخَاطِئِينَ بِحَيْثُ تُصْبِحُ الْقَوَانِينُ وَالشَّرَائِعُ حِجَارًا لِرَجْمِ الْآخَرِينَ. وَفِي هَذَا الصَّدَدِ كَتَبَ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ: "حَيْثُ تَكُونُ الرَّحْمَةُ يَكُونُ اللَّهُ؛ وَأَمَّا حَيْثُ تَكُونُ الْقَسَاوَةُ وَالتَّصَلُّبُ وَالْحُكْمُ فَرُبَّمَا تَجِدُونَ خُدَّامَ اللَّهِ وَلَكِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا اللَّهَ"؛ لِأَنَّ الرَّبَّ لَا يَحْتَمِلُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرَائِينَ، ذَوِي الْأَقْنِعَةِ وَالْقُلُوبِ الْمُزْدَوِجَةِ كَمَا لَا يَحْتَمِلُ الَّذِينَ يَتَّهِمُونَ الْآخَرِينَ وَيُحَاكِمُونَهُمْ؛ لِأَنَّ جَوْهَرَ الْمَسِيحِيَّةِ هُوَ الْمُصَالَحَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَالْإِنْسَانِ، وَبِالتَّالِي يَسُوعُ يُحَارِبُ قَلْبَ الْمُرَائِينَ الْمُتَحَجِّرِ وَالْقَاسِي.
إِنَّ انْتِهَاكَ حَيَاةِ شَخْصٍ آخَرَ، مُذْنِبًا كَانَ أَمْ بَرِيئًا، بِالْحِجَارَةِ أَوْ بِالسُّلْطَةِ هُوَ رَفْضٌ لِلَّهِ الَّذِي يُقِيمُ فِي هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ الزُّنَاةِ وَالْخُطَأَةِ. أَظْهَرَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ بِتَصَرُّفِهِمْ هَذَا أَنَّهُمْ غَيُورُونَ ضِدَّ الْخَطِيئَةِ، لَكِنْ ظَهَرَ أَنَّهُمْ هُمْ أَنْفُسُهُمْ لَيْسُوا مُتَحَرِّرِينَ مِنْهَا، كَانُوا كَمَا وَصَفَهُمُ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ مُمْتَلِئِينَ مِنَ الدَّاخِلِ نَجَاسَةً "الْوَيْلُ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، فَإِنَّكُمْ أَشْبَهُ بِالْقُبُورِ الْمُكَلَّسَةِ، يَبْدُو ظَاهِرُهَا جَمِيلًا، وَأَمَّا دَاخِلُهَا فَمُمْتَلِئٌ مِنْ عِظَامِ الْمَوْتَى وَكُلِّ نَجَاسَةٍ. وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ، تَبْدُونَ فِي ظَاهِرِكُمْ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمُمْتَلِئٌ رِيَاءً وَإِثْمًا"(مَتَّى 23: 27-28).
لَمْ يَتَحَاشَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ الشَّبَكَةَ الَّتِي نَصَبُوهَا لَهُ، وَإِنَّمَا سَمَحَ لَهُمْ أَنْ يَسْقُطُوا فِي ذَاتِ الشَّبَكَةِ، إِذْ شَعَرُوا بِالْعَارِ أَمَامَ الْجَمْعِ. وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَنْفِيذَ النَّامُوسِ، وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مُسْتَحِقًّا أَنْ يَرْفَعَ أَوَّلَ حَجَرٍ يُلْقِيهِ بِهَا الْمَرْأَةَ الزَّانِيَةَ. "انْصَرَفُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ يَتَقَدَّمُهُمْ كِبَارُهُمْ سِنًّا"(يُوحَنَّا 8: 9). فَقَدْ حَوَّلَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ أَنْظَارَهُمْ مِنَ التَّطَلُّعِ إِلَى تَصَرُّفَاتِ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ أَوْ مِنِ انْتِظَارِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا إِلَى ضَمَائِرِهِمُ الدَّاخِلِيَّةِ، لِيَرَوُا الْفَسَادَ الدَّاخِلِيَّ، لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ. لَقَدِ اكْتَشَفُوا فَسَادَهُمْ، وَبَدَلًا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِهِ وَقَبُولِ مَشُورَةِ طَبِيبِ النُّفُوسِ هَرَبُوا كَمَا حَدَثَ فِي مَعْرَكَةِ دَاوُدَ ضِدَّ أَبْشَالُومَ "فَانْقَلَبَ النَّصْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى مَنَاحَةٍ عِنْدَ كُلِّ الشَّعْبِ" (2 صَمُوئِيل 19: 3).
كُلُّ مَا فَعَلُوهُ أَنَّهُمْ خَشُوا الْفَضِيحَةَ وَالْعَارَ فَهَرَبُوا لَا إِلَى الْمَسِيحِ مُخَلِّصِهِمْ، بَلْ إِلَى خَارِجِ الْمَسِيحِ حَتَّى لَا يَفْضَحَهُمْ نُورُهُ. إِنَّ كَلِمَاتِ يَسُوعَ وَتَصَرُّفَاتِهِ تُزِيلُ الْأَحْكَامَ الْمُسْبَقَةَ، لِأَنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَقُودُنَا أَبْعَدَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، فَهُوَ يَطْلُبُ مِنَ الْعَيْنِ أَلَّا تَرَى الْخَطِيئَةَ فِي الْآخَرِ بَلْ أَنْ تَرَى النُّورَ فِيهِ. فَمَنْ يُدِينُ أَخَاهُ يُدَانُ، وَبِالْحُكْمِ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ عَلَى الْغَيْرِ يُحْكَمُ عَلَيْهِ "لَا تَدِينُوا فَلَا تُدَانُوا. لَا تَحْكُمُوا عَلَى أَحَدٍ فَلَا يُحْكَمَ عَلَيْكُمْ" (لُوقَا 6: 37)، لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ الرَّسُولُ "فَلَا تَدِينُوا أَحَدًا قَبْلَ الْأَوَانِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّبُّ، فَهُوَ الَّذِي يُنِيرُ خَفَايَا الظُّلُمَاتِ وَيَكْشِفُ عَنْ نِيَّاتِ الْقُلُوبِ، وَعِنْدَئِذٍ يَنَالُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّهِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّنَاءِ. (1 قُورِنْتُس 4: 5).
وَبَعْدَ أَنْ حَارَبَ يَسُوعُ الشَّرَّ فِي الَّذِينَ اسْتَعْبَدَهُمُ الشَّرُّ، اهْتَمَّ بِالَّذِينَ اعْتَبَرَهُمُ الْمُجْتَمَعُ خَاطِئِينَ وَأَوَّلُهُمُ الْمَرْأَةُ الزَّانِيَةُ وَنَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ هُنَاكَ تَعَارُضًا بَيْنَ تَصَرُّفِ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ مِنْ جِهَةٍ وَتَصَرُّفِ يَسُوعَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَالْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُرِيدُونَ الْحُكْمَ عَلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ أَنْفُسَهُمْ حُمَاةَ الشَّرِيعَةِ وَالْعَدَالَةِ وَتَطْبِيقَهَا بِأَمَانَةٍ، فَيَدْعُوهُمْ يَسُوعُ إِلَى إِدْرَاكِ كَوْنِهِمْ بَشَرًا خُطَأَةً، لَا يُمْكِنُهُمْ مَنْحُ أَنْفُسِهِمْ حَقَّ الْبَتِّ فِي حَيَاةِ أَوْ مَوْتِ مَنْ هُمْ مِثْلُهُمْ. أَمَّا يَسُوعُ فَيُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَهَا، لِأَنَّهُ يُجَسِّدُ رَحْمَةَ اللَّهِ الَّذِي بِالْمَغْفِرَةِ يَفْدِي وَبِالْمُصَالَحَةِ يُجَدِّدُ.
(3) رَحْمَةُ يَسُوعَ تِجَاهَ الزَّانِيَةِ:
رَحْمَةُ يَسُوعَ تِجَاهَ الزَّانِيَةِ يَسُوعُ هُوَ الْوَحِيدُ الْقَادِرُ أَنْ يَرْمِيَ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ، هُوَ الْوَحِيدُ الْمَعْصُومُ مِنْ أَيِّ خَطِيئَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْكُمْ يَسُوعُ عَلَى الزَّانِيَةِ، إِنَّمَا أَدَانَ يَسُوعُ خَطِيئَتَهَا، وَلَكِنْ بِرَحْمَتِهِ غَفَرَ لِلْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ وَخَلَّصَهَا. إِنَّهُ ذَهَبَ أَبْعَدَ مِنَ الشَّرِيعَةِ! لَمْ يَقُلْ لِلْمَرْأَةِ أَنَّ الزِّنَى لَيْسَ خَطِيئَةً، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُحَاكِمْهَا بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ. وَهَذَا هُوَ سِرُّ الرَّحْمَةِ.
فَالرَّحْمَةُ لَا تَمْحُو الْخَطَايَا؛ إِنَّمَا يَغْفِرُ اللَّهُ الْخَطَايَا بِوَاسِطَةِ الرَّحْمَةِ. فَاللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا بِلَمْسَةِ حَنَانِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ كَمَنْ يَقِفُ أَمَامَ شَخْصٍ يَهُمُّهُ حَيَاتُهَا وَتَارِيخُهَا، وَقَفَ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَيْهَا وَيُكَلِّمَهَا، فَقَدْ فَهِمَ جَوْهَرَ هَذِهِ النَّفْسِ؛ وَحَاوَلَ أَنْ يُدْرِكَ الْحَقِيقَةَ الَّتِي لَدَيْهَا، وَيَدْعُوهَا إِلَى التَّوْبَةِ. فَلَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ الْخَطِيئَةِ وَإِنَّمَا عِنْدَ أَلَمِهَا وَحَاجَتِهَا. فَهِيَ تَعِيشُ بِشُعُورٍ بِالذَّنْبِ بِسَبَبِ أَخْطَائِهَا الْمَاضِي، لَكِنَّ يَسُوعَ يَفْتَحُ أَبْوَابَ سِجْنِهَا وَيُحَرِّرُهَا، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُسَاوِي خَطِيئَتَهُ، وَاللَّهُ لَا يَهُمُّهُ مَاضِيهَا إِنَّمَا مُسْتَقْبَلُهَا. فَسَأَلَهَا يَسُوعُ أَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْكِ أَحَدٌ؟" (يُوحَنَّا 8: 10). وَكَأَنَّ بِهِ يَقُولُ لَهَا: "أَنْتِ وَحْدَكِ الْآنَ أَمَامَ اللَّهِ، بِدُونِ اتِّهَامَاتٍ وَبِدُونِ أَحْكَامٍ! أَنْتِ وَاللَّهُ فَقَطْ! فَقَالَتْ: "لَا، يَا رَبّ!"، لَمْ تُبَرِّرْ نَفْسَهَا بَلِ اعْتَرَفَتْ بِخَطِيئَتِهَا. وَقَدْ وَصَفَ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ هَذَا الْمَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: "بَقِيَتِ الرَّحْمَةُ وَالْبُؤْسُ وَجْهًا لِوَجْهٍ".
أَخَذَ يَسُوعُ مَوْقِفًا مُتَعَاطِفًا، مَلْؤُهُ رِقَّةً وَرَحْمَةً وَصَفْحًا، أَخَذَ مَوْقِفًا يَتَحَدَّى مَوْقِفَ الرَّأْيِ الْعَامِّ. وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى قَضِيَّةِ الزِّنَى فِي ظَاهِرِهَا، بَلْ نَظَرَ إِلَى دَاخِلِ قَلْبِ الزَّانِيَةِ. فَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهَا وَلَمْ يُدِنْهَا، بَلْ غَيَّرَ نَفْسَهَا الَّتِي أَقْفَرَتْ وَتَوَحَّشَتْ بِالْخَطِيئَةِ، وَحَوَّلَهَا إِلَى سَلَامِهِ. فَقَالَ لَهَا "وَأَنَا لَا أَحْكُمُ عَلَيْكِ" (يُوحَنَّا 8: 11)؛ وَبِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَعَادَ يَسُوعُ إِلَى الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ شَرَفَهَا وَكَرَامَتَهَا. وَفِي هَذَا الصَّدَدِ قَالَ الْبَابَا فِرَنْسِيسُ "رَحْمَةُ اللَّهِ هِيَ نُورُ مَحَبَّةٍ وَحَنَانٍ كَبِيرٍ! إِنَّهَا لَمْسَةُ حَنَانِ اللَّهِ عَلَى جِرَاحِ خَطَايَانَا؛ لِأَنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ هِيَ مَحَبَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ تَحُثُّ الْإِنْسَانَ لِيُصْبِحَ أَفْضَلَ مَا بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَصِيرَ ".
(4) الْعِبْرَةُ وَالدُّرُوسُ:
نَسْتَنْتِجُ مِنْ مَوْقِفِ يَسُوعَ الْعِبْرَةَ وَالدُّرُوسَ تِجَاهَ الْيَهُودِ وَالْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ بَعْضَ الدُّرُوسِ الَّتِي أَرَادَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ أَنْ يُعَلِّمَنَا إِيَّاهَا:
(أ) إِدَانَةُ الْخَطِيئَةِ:
يُعَلِّمُنَا يَسُوعُ أَنَّهُ لَا يَتَجَاهَلُ خَطِيئَةَ الزِّنَى أَوْ يَتَجَاوَزُ عَنْهَا، بَلْ أَدَانَهَا. إِنَّ طَهَارَةَ يَسُوعَ أَدَانَتْ خَطِيئَةَ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ. فَالْعَهْدُ الْجَدِيدُ لَيْسَ عَهْدَ تَسَاهُلٍ مَعَ الْخَطِيئَةِ. فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي أُعْلِنَ عَلَى لِسَانِ الْمَلَائِكَةِ قَدْ أُثْبِتَ فَنَالَتْ كُلُّ مَعْصِيَةٍ وَمُخَالَفَةٍ جَزَاءً عَادِلًا، كَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِذَا أَهْمَلْنَا مِثْلَ هَذَا الْخَلَاصِ الَّذِي شُرِعَ فِي إِعْلَانِهِ عَلَى لِسَانِ الرَّبِّ" (الْعِبْرَانِيِّينَ 2: 1-3). لَا يَقْبَلُ يَسُوعُ الْخَطِيئَةَ وَيَرْفُضُهَا، وَلَكِنَّهُ أَيْضًا يَغْفِرُ لِصَاحِبِهَا إِنْ تَابَ حَقًّا عَنْ خَطَايَاهُ.
(ب) رَحْمَةُ الْخَاطِئِ:
بِرَحْمَتِهِ خَلَّصَ الْمَرْأَةَ الزَّانِيَةَ وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهَا. إِنَّمَا طَالَبَ التَّوْبَةَ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ "اذْهَبِي وَلَا تَعُودِي بَعْدَ الْآنَ إِلَى الْخَطِيئَةِ" (يُوحَنَّا 8: 11). يَقْبَلُ الْمَسِيحُ الْخَاطِئَ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْبَلُ أَنْ يَسْتَمِرَّ الْخَاطِئُ فِي خَطِيئَتِهِ. فَاللَّهُ يَغْفِرُ وَيُحَرِّرُ، وَمَغْفِرَتُهُ تُعِيدُ الْإِنْسَانَ إِلَى مَسِيرَتِهِ. لَقَدْ أَعْلَنَ "فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلِ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيُخَلَّصَ بِهِ الْعَالَمُ" (يُوحَنَّا 23: 35). مَنْ دَعَانَا لِنَغْفِرَ "سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مَتَّى 18: 22). وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَعْتَبِرَ الرَّحْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ ضَعْفًا، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ إِلَى التَّوْبَةِ. يُعِيدُ يَسُوعُ الْخَاطِئَ إِلَى الدَّرْبِ الصَّحِيحِ كَمَا جَاءَ فِي نُبُوءَةِ حِزْقِيَال "لَعَلَّ هَوَايَ فِي مَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلَيْسَ فِي أَنْ يَتُوبَ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟ "(حِزْقِيَال 18: 23). وَفِي الْوَاقِعِ، تَكْشِفُ قِصَّةُ تَعَامُلِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ مَعَ الْمَرْأَةِ الْخَاطِئَةِ عَنْ طَبِيعَةِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ الْمُلْتَهِبَةِ بِالْحُبِّ نَحْوَ الْخُطَأَةِ. يُعَلِّمُنَا السَّيِّدُ الْمَسِيحُ أَنْ نَقْتَرِبَ مِنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَ لَدَيْنَا خَطِيئَةٌ خَطِيرَةٌ، لِأَنَّ الرَّبَّ، وَهُوَ الشَّخْصُ الْبَارُّ الْوَحِيدُ، الَّذِي لَا يُرِيدُ أَنْ يُدِينَنَا، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ فَقَطْ أَنْ نَتَغَيَّرَ. فَيُحَذِّرُنَا مِنَ الْيَأْسِ وَالرَّجَاءِ الْبَاطِلِ، فَمَنْ يَيْأَسُ ظَانًّا أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ بِالْيَأْسِ، وَمَنْ يُهْمِلُ فِي التَّوْبَةِ بِدَعْوَى رَحْمَةِ اللَّهِ تُنْقِذُهُ غَدًا يُهْلِكُ نَفْسَهُ بِالرَّجَاءِ الْبَاطِلِ.
(ج) عَدَمُ إِدَانَةِ الْآخَرِينَ:
يُعَلِّمُنَا السَّيِّدُ الْمَسِيحُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا هُوَ إِفْرَاغُ أَيْدِينَا وَإِسْقَاطُ حِجَارَةِ إِدَانَةِ الْآخَرِينَ، لِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْلِنَ حُكْمًا إِلَّا إِذَا كَانَ بِلَا خَطِيئَةٍ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَيُعَلِّمُنَا أَيْضًا، أَنْ نُدِينَ كُلَّ خَطِيئَةٍ فِي حَيَاتِنَا قَبْلَ أَنْ نُدِينَ أَخَانَا، وَنُذَكِّرُ نُفُوسَنَا دَائِمًا "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيئَةٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِيهَا بِحَجَرٍ!"(يُوحَنَّا 8: 7) مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ "لِأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ " (مَتَّى 7: 1).
وَلَيْسَتِ الشَّرِيعَةُ بِهَا عَيْبٌ، وَلَكِنَّ الْعَيْبَ فِي الْبَشَرِ، وَهُوَ فَسَادُ الشُّهُودِ. إِنَّ الْحَقَّ فِي يَسُوعَ وَبَّخَ الْكَذِبَ فِي الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ. لَقَدْ نَقَلَ يَسُوعُ الْمُشْكِلَةَ مِنْ وَجْهَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَجَابَهَهُ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ بِمَعْنَاهَا الْأَدَبِيِّ فِي حَيَاتِهِمْ، لِأَنَّ نَفْسَ الْخَطِيئَةِ الَّتِي تَسْكُنُ فِي الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ تَسْكُنُ فِيهِمْ أَيْضًا، وَقَدْ حَدَثَ مَعَهُمْ كَمَا حَدَثَ فِي قِصَّةِ سُوسَنَّةَ (دَانِيال 13: 1-64)، وَنَابُوتَ الْيَزْرَعِيلِيِّ (1 مُلُوك 21: 10، 13).
يَدْعُونَا الرَّبُّ إِلَى عَدَمِ الْحُكْمِ الظَّالِمِ عَلَى الْآخَرِينَ بَلْ نُعْلِنُ لِكُلِّ خَاطِئٍ غُفْرَانَ اللَّهِ. وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ كَثِيرًا مَا يَتَكَرَّرُ فِي أَيَّامِنَا مَشْهَدُ اتِّهَامِ الْآخَرِينَ دُونَ مُحَاسَبَةِ الذَّاتِ أَوْ تَحْكِيمِ الْعَقْلِ وَالضَّمِيرِ. كَمَا مِنَ السَّهْلِ عَلَيْنَا أَنْ نَقْذِفَ الْحِجَارَةَ، الْخِيَارُ لَنَا. مَاذَا نَفْعَلُ؟ الْحَجَرُ بَيْنَ يَدَيْنَا. وَإِنْ وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا فِي مَوْقِفِ الدَّيَّانِ وَالنَّاقِدِ وَالْمُحَاسِبِ لِلْآخَرِينَ، فَنَتَذَكَّرِ الْحَجَرَ، وَنَتَذَكَّرْ مَنْ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِالْحَجَرِ. كُلُّنَا خُطَأ، وَكُلُّنَا بِحَاجَةٍ لِرَحْمَةِ اللَّهِ!
(د) يَسُوعُ وَحْدَهُ الدَّيَّانُ:
كُلُّ إِنْسَانٍ خَاطِئٌ أَمَامَ الرَّبِّ، وَأَنَّ الرَّبَّ وَحْدَهُ دَيَّانُ قَلْبِ الْإِنْسَانِ. فَلْنَتَقَدَّمِ الْآنَ بِتَوْبَةٍ إِلَى الْمَسِيحِ الَّذِي مَا زَالَ يَكْتُبُ خَطَايَانَا عَلَى الرِّمَالِ فَإِذَا اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا غُفِرَتْ لَنَا، وَنَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ عَلَى فَمِ الْكَاهِنِ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. لَا تَعُدْ تُخْطِئْ. اذْهَبْ بِسَلَامِ الرَّبِّ مَعَكَ.
الْخُلَاصَةُ وَفِي رِحْلَاتِ يَسُوعَ التَّبْشِيرِيَّةِ الْتَقَى يَسُوعُ الْمَسِيحُ مَعَ ثَلَاثِ نِسَاءٍ كُنَّ قَدِ ارْتَكَبْنَ جَرِيمَةَ الزِّنَى، وَهُنَّ: الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ (يُوحَنَّا 4: 18)، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي جَاءَتْهُ فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الْفَرِّيسِيِّ (لُوقَا 7: 37)، وَالْمَرْأَةُ الزَّانِيَةُ. وَكَانَتْ تَتَمَيَّزُ مُعَامَلَاتُ يَسُوعَ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِشَفَقَتِهِ وَرِقَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَخَاصَّةً فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ. عِنْدَمَا كَانَ يُعَلِّمُ يَسُوعُ فِي الْهَيْكَلِ، فِي صَبَاحٍ مَا، قَدَّمَ إِلَيْهِ الْيَهُودُ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِنًى (يُوحَنَّا 8: 3-4) وَكَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يُوقِعُوهُ فِي وَرْطَةٍ (يُوحَنَّا 8: 6) وَوَجَّهُوا إِلَيْهِ سُؤَالًا عَنِ الْعِقَابِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُوقَعَ عَلَى الزَّانِيَةِ (يُوحَنَّا 8: 5)، فَإِذَا أَوْصَى يَسُوعُ بِعَدَمِ الرَّجْمِ، يَجِدُ نَفْسَهُ مُخَالِفًا لِشَرِيعَةِ مُوسَى.
وَإِذَا أَوْصَى بِالرَّجْمِ فَإِنَّهُ سَيَتَعَارَضُ مَعَ قَانُونِ رُومَا الَّذِي يُقَرِّرُ لِنَفْسِهِ الْحَقَّ بِإِنْزَالِ عُقُوبَةِ الْمَوْتِ. أَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلَ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبَعِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِحُكْمٍ. وَعِنْدَمَا أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي سُؤَالِهِمْ قَالَ لَهُمْ "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيئَةٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِيهَا بِحَجَرٍ!" (يُوحَنَّا 8: 7) فَأَحَسَّ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ دِينُوا فِي بَوَاعِثِ قُلُوبِهِمْ. لَقَدْ نَقَلَ يَسُوعُ الْمُشْكِلَةَ مِنْ وَجْهَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَجَابَهَهُمْ بِمَعْنَاهَا الْأَدَبِيِّ فِي حَيَاتِهِمْ. وَلَمَّا بَقِيَ يَسُوعُ وَالْمَرْأَةُ وَحْدَهُمَا لَمْ يَشَأْ أَنْ يَنْطِقَ بِحُكْمِ دَيْنُونَتِهَا، وَلَكِنَّهُ أَوْصَاهَا بِأَنْ لَا تُخْطِئَ أَيْضًا (يُوحَنَّا 8: 11)، إِنَّهُ لَا يَسْتَخِفُّ بِالْخَطِيئَةِ أَوْ يَتَجَاوَزُ عَنْهَا بِأَيِّ شَكْلٍ، لِأَنَّ بِرَّ اللَّهِ يَدِينُ الْخَطِيئَةَ. لَا يُخْبِرُنَا إِنْجِيلُ يُوحَنَّا عَنْ اسْمِ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ لِأَنَّهَا تُمَثِّلُنَا جَمِيعًا، فَقِصَّتُهَا تَفْتَحُ أَمَامَ كُلِّ نَفْسٍ بَابَ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، لِتَجِدَ شَرِيعَةَ الْمَسِيحِ قَانُونَهَا الدَّاخِلِيَّ الْجَذَّابَ، فَتَنْعَمَ بِالصَّوْتِ الْإِلَهِيِّ "مَا جِئْتُ لِأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِأُخَلِّصَ الْعَالَمَ " (يُوحَنَّا 12: 47).
فَلَا تَجِدُ مَنْ يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ الْأَبَدِيِّ، بَلْ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِالدَّمِ الثَّمِينِ وَيَهَبُهَا بِرَّهُ السَّمَاوِيَّ، وَيَشْفَعُ فِيهَا أَمَامَ الْآبِ، وَيُدْخِلُ بِهَا إِلَى الْأَحْضَانِ الْإِلَهِيَّةِ. وَتَحَوَّلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِفَضْلِ رَحْمَةِ الْمَسِيحِ مِنْ وُقُوفٍ فِي مَحْكَمَةٍ إِلَى دُخُولٍ فِي الْمَلَكُوتِ. وَيُحَذِّرُنَا الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ مِنَ الْيَأْسِ وَالرَّجَاءِ الْبَاطِلِ "مَنْ يَيْأَسُ ظَانًّا أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ، يَقْتُلُ نَفْسَهُ بِالْيَأْسِ، وَمَنْ يَسْتَرْخِي مُهْمِلًا فِي التَّوْبَةِ بِدَعْوَى رَحْمَةِ اللَّهِ تُنْقِذُهُ غَدًا يُهْلِكُ نَفْسَهُ بِالرَّجَاءِ الْبَاطِلِ".
إِنَّ فَرَحَ الْإِنْجِيلِ يَمْلَأُ قَلْبَ حَيَاةِ جَمِيعِ الَّذِينَ يَلْتَقُونَ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ. فَمَنْ يَسْتَسْلِمُونَ لَهُ يَتَحَرَّرُونَ مِنَ الْخَطِيئَةِ وَالْحُزْنِ وَالْفَرَاغِ الدَّاخِلِيِّ وَالْعُزْلَةِ. مَعَ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ يُولَدُ الْفَرَحُ دَائِمًا وَيَنْبَعِثُ مِنْ جَدِيدٍ. لِنُصْغِ أَخِيرًا إِلَى دَعْوَةِ الْبَابَا فِرَنْسِيسَ: "أَدْعُو كُلَّ مَسِيحِيٍّ أَيْنَمَا وُجِدَ وَفِي أَيِّ ظُرُوفٍ كَانَ، إِلَى أَنْ يُجَدِّدَ الْيَوْمَ لِقَاءَهُ الشَّخْصِيَّ مَعَ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ، أَنْ يَأْخُذَ قَرَارًا بِأَنْ يَدَعَ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ أَنْ يَلْتَقِيَ بِهِ، أَوْ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ بِاسْتِمْرَارٍ.
لَا يُفَكِّرْ أَحَدٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ غَيْرُ مُوَجَّهَةٍ لَهُ، لِأَنَّ لَا أَحَدَ مُسْتَبْعَدًا عَنِ الْفَرَحِ الَّذِي يَحْمِلُهُ إِلَيْنَا الرَّبُّ" (الْبَابَا بُولُسُ السَّادِسُ). دُعَاءٌ "يَا رَبِّ، لَقَدْ خُدِعْنَا بِطُرُقٍ عَدِيدَةٍ وَهَرَبْنَا مِنْ حُبِّكَ، وَمَعَ ذَلِكَ هَا أَنَذَا نَحْنُ أَمَامَكَ مَرَّةً جَدِيدَةً لِتَجْدِيدِ عَهْدِنَا مَعَكَ. إِنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَيْكَ. خَلِّصْنَا يَا رَبُّ وَاقْبَلْنَا مُجَدَّدًا بَيْنَ ذِرَاعَيْكَ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ". يَا رَبُّ، أَنْتَ وَحْدَكَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْمِيَنَا بِحِجَارَةٍ كَثِيرَةٍ، لِأَنَّكَ الْوَحِيدُ بِدُونِ خَطِيئَةٍ. وَلَكِنَّكَ لَا تَرْمِينَا بِأَيَّةِ حَجَرٍ وَلَا تَحْكُمُ عَلَيْنَا. شُكْرًا يَا رَبُّ، مِنْ أَجْلِ حُبِّكَ وَمِنْ أَجْلِ مَغْفِرَتِكَ. شُكْرًا لِأَنَّكَ تُحِبُّنَا حَتَّى حِينَ نَقَعُ فِي الْخَطِيئَةِ. شُكْرًا لِأَنَّكَ حَوَّلْتَ حِجَارَتَنَا الْمُتَّسِخَةَ إِلَى حِجَارَةٍ ثَمِينَةٍ ذَاتِ قِيمَةٍ. شُكْرًا لَكَ لِأَنَّكَ أَعْطَيْتَنَا الْإِمْكَانِيَّةَ لِمَعْرِفَةِ خَطَايَانَا وَعَيْشِ لَحَظَاتِ الْمُصَالَحَةِ مَعَكَ. أَعْطِنَا أَلَّا نَرْمِيَ بَعْدَ الْآنَ بِالْحِجَارَةِ الْآخَرِينَ. أَعْطِنَا أَنْ نَعِيشَ فِي مَحَبَّتِكَ، أَصْدِقَاءَ لَكَ وَأَصْدِقَاءَ لِلْجَمِيعِ.
✍️
الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...





